رسالتان متزامنتان: واشنطن تطلب السلاح وحزب الله، وإسرائيل تواصل


هذا الخبر بعنوان "رسالتان إلى الحزب: عيسى يحدّد "قواعد الحوار".. وإسرائيل تقضم" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتزامن اليوم رسالتان بارزتان، الأولى من بيروت تحملها السفارة الأمريكية، والثانية من بنت جبيل تصدر عن الجيش الإسرائيلي. فبينما كانت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي، إيلا واوية، تطلق من بنت جبيل تصريحًا يهدف للحرب النفسية، محمّلةً "حزب الله" مسؤولية تدمير المدينة لانضمامه للحرب قبل أشهر، كان السفير الأمريكي، ميشال عيسى، يوجه من بيروت رسالة أخرى إلى حزب الله مفادها: "نتفاوض مع حزب الله إذا كان لديه ما يقدمه لنا". والشيء المقصود هنا هو ترسانته العسكرية وبنيته التحتية بالكامل.
في غضون ذلك، تتبع إسرائيل استراتيجية ميدانية خطرة تعتمد سياسة "القضم الهادئ" وتوسيع الحزام الأمني. ويتجلى التوغل الإسرائيلي في تسع بلدات على الأقل، من كفرتبنيت والمنصوري ومجدل زون وصولًا إلى بيوت السياد، في سعي تل أبيب لتوسيع "الخط الأصفر" تحت ضجيج المفاوضات. بالتوازي، يجري العمل على إنشاء مواقع ثابتة وسواتر في زوطر الشرقية وأرنون ويحمر، مصحوبًا بعمليات تجريف ونسف في بني حيان وبنت جبيل والمنصوري، بهدف إزالة البيئة الحاضنة والعمرانية وتحويل المناطق الحدودية إلى نطاق عازل ومحروق يمنع أي عودة مستدامة للسكان، وليس فقط للبنية العسكرية.
في ظل هذا المأزق، يعكس تأكيد الرئيس جوزيف عون على أن "لا خيار إلا التفاوض" إدراكًا رسميًا لمحدودية الخيارات العسكرية أمام آلة القصف والتجريف، ومحاولة لتثبيت مرجعية الدولة. ومع ذلك، تدرك السلطة التنفيذية أن التفاوض يتم في ظل اختلال موازين القوى. كما أن تعثر التوافق على القوات الدولية البديلة، ورفض إيطاليا والدول المرشحة للقيادة دون ضمانات أمنية صارمة ومباشرة، يبقي الجنوب مهددًا بالفراغ الأممي واستفراد إسرائيل، مما يسهل عليها الاستمرار في عمليات القضم والتجريف بلا رادع.
وفقًا لهذه المعطيات الميدانية والدبلوماسية، يخشى أن يؤدي المسار التفاوضي الحالي إلى إلزام لبنان، باعتباره الطرف الخاسر، بما يشبه الاستسلام التدريجي، في ظل تراخٍ أمريكي وصمت دولي.
لم يكن اختيار بنت جبيل لإطلاق الرسالة الإسرائيلية محض صدفة. فالمدينة، بما تمثله في الذاكرة السياسية والعسكرية للصراع، تحولت إلى منصة أرادت إسرائيل من خلالها تثبيت صورتين متلازمتين: قدرتها على الوصول إلى قلب الجنوب، وقدرتها على إعادة صياغة رواية تدميره. فبدلاً من أن تظهر إسرائيل كقوة قصفت ونسفت واحتلت، سعت المتحدثة باسم جيشها إلى تحميل "حزب الله" وحده مسؤولية الخراب، بذريعة قرار فتح الجبهة.
هذه الرسالة موجهة إلى البيئة الجنوبية بقدر ما هي موجهة إلى الحزب. ومضمونها أن استمرار السلاح لن يحمي القرى، بل سيجعلها تدفع كلفة إضافية. إلا أن هذه الرواية تتعمد إسقاط مسؤولية إسرائيل المباشرة عن التدمير المنهجي، كما تتجاهل أن تل أبيب لا تكتفي بضرب أهداف عسكرية، بل تعمل على تغيير طبيعة الأرض وشروط السكن فيها. فالنسف والتجريف وإقامة السواتر ليست مجرد نتائج جانبية للحرب، بل هي أدوات لإنتاج جغرافيا جديدة. وعندما تترافق مع ظهور إعلامي إسرائيلي من داخل بنت جبيل، يصبح الهدف مضاعفًا: تكريس السيطرة الميدانية، ثم تحويل هذه السيطرة إلى تفوق نفسي وسياسي.
في بيروت، جاءت رسالة السفير الأمريكي ميشال عيسى أقل استعراضية، لكنها أكثر وضوحًا سياسيًا. فحديثه عن إمكان التفاوض مع "حزب الله" إذا كان لديه "شيء يقدمه"، ينقل الموقف الأمريكي من الرفض المبدئي إلى قبول تفاوض وظيفي، بشرط أن تكون نتيجته محددة سلفًا. المطلوب ليس حوارًا حول مستقبل الجنوب أو الضمانات المتبادلة، بل عرض يتعلق بالسلاح. بهذا المعنى، لا تفتح واشنطن بابًا سياسيًا أمام الحزب، بل تعرض عليه قناة لتسليم ورقته الأساسية. وهذا ما أكده عيسى عندما ربط غياب وقف الاعتداءات الإسرائيلية بعدم تسليم الحزب سلاحه، متسائلاً: "لماذا نطلب من إسرائيل فعل كل شيء؟".
هكذا، تنقلب معادلة التفاوض من مسار يقوم على التزامات متبادلة إلى ترتيب زمني يطالب لبنان بالبدء، فيما تحتفظ إسرائيل باحتلالها وعملياتها بوصفهما وسيلة ضغط. والمشكلة ليست في مطالبة الدولة بحصر السلاح في يدها، وهي مسألة سيادية لبنانية، بل في تحويل الاعتداء الإسرائيلي إلى أداة لفرضها. فحين يصبح وقف القصف والانسحاب مكافأة مشروطة بنزع السلاح، لا يعود الاحتلال خرقًا ينبغي إنهاؤه، بل يتحول إلى ورقة تفاوضية مشروعة في الخطاب الأمريكي.
يحاول عيسى تقديم المفاوضات الجارية باعتبارها مسارًا تقنيًا لا يحتاج دائمًا إلى مواعيد معلنة. لكن غياب الجدول الزمني لا يعني أن الوقت متوقف. فبينما ينشغل الوسطاء بتحديد المنطقة التجريبية "شجرة شجرة وبيتًا بيتًا"، تتحرك إسرائيل على الأرض بسرعة أكبر، وتنشئ وقائع يصعب التراجع عنها. وهنا يظهر الخلل الأساسي في المسار: لبنان يتفاوض على خرائط ثابتة، بينما تتعامل إسرائيل مع حدود متحركة. وكل تأخير في تحديد المنطقة التجريبية يتيح لها توسيع "الخط الأصفر"، أو رفع كلفة الانسحاب منه. وعندما تبدأ المرحلة الثالثة أو الرابعة من المناطق التجريبية، قد تكون الأرض التي ستطبق عليها الآلية قد تغيرت عسكريًا وديموغرافيًا.
أما الإشارة الأمريكية إلى ترقب تطورات علي الطاهر خلال يومين، فتكشف حجم التداخل بين التفاوض والميدان. فالمرتفع ليس ملفًا عسكريًا منفصلًا، بل نقطة قادرة على تعديل شروط العملية كلها. وإذا ثبتت إسرائيل سيطرتها عليه، فستطالب بنطاق أمني حوله، ثم بممرات لحمايته، ما يفتح الباب أمام امتداد أعمق في إقليم التفاح والريحان.
لا تحتاج إسرائيل، في هذه المرحلة، إلى إعلان احتلال شامل. يكفيها تثبيت مواقع صغيرة مترابطة، وفتح مساحات خالية بينها، وإبقاء القرى المحيطة تحت النار. بهذه الطريقة، يتحول "القضم الهادئ" إلى بديل أقل كلفة من اجتياح واسع، وأكثر فاعلية على طاولة التفاوض. ويؤدي تدمير المباني والطرقات والأراضي الزراعية وظيفة مركزية في هذه الخطة. فالمنطقة العازلة لا تُنشأ بالانتشار العسكري وحده، بل بجعل العودة إليها غير قابلة للاستمرار. ومن هنا، لا يستهدف النسف بيئة عسكرية حصرًا، بل شروط الحياة نفسها: المنزل، والطريق، والحقل، وشبكات المياه والكهرباء. وهذا ما يمنح عمليات المنصوري وبني حيان وبنت جبيل دلالتها السياسية. فالتفجيرات المتنقلة وتحريك الآليات لا يعكسان فوضى ميدانية، بل نمطًا واحدًا هدفه توسيع نطاق السيطرة دون تحمل عبء إدارة الأراضي أو سكانها. إسرائيل تريد أرضًا تحت رقابتها، لكن دون وجود لبناني مستقر فوقها.
يضع الرئيس جوزيف عون قرار التفاوض ضمن أهداف واضحة: تحرير الجنوب، وانتشار الجيش إلى الحدود، واستعادة الأسرى، وعودة الأهالي، وبدء إعادة الإعمار. وهو بذلك يحاول إعادة النقاش إلى مرجعية الدولة بعدما ظل قرار الحرب والسلم خارج مؤسساتها طويلًا. كما يعكس موقفه إدراكًا واقعيًا بأن مواجهة عسكرية جديدة لن تعيد الأرض، بل ستمنح إسرائيل فرصة لمزيد من التدمير.
لكن القول إن "لا خيار إلا التفاوض" لا يكفي وحده. فالتفاوض ليس قيمة قائمة بذاتها، بل أداة تقاس بالنتائج والضمانات. وإذا دخل لبنان هذا المسار دون جدول للانسحاب، أو وقف واضح للاعتداءات، أو مرجعية دولية تحمي التنفيذ، فقد يتحول التفاوض إلى مظلة لإدارة الاحتلال، لا لإنهاءه. كما أن حصر السلاح بيد الدولة، على ضرورته، لا يجوز أن يقدم بوصفه تنازلًا يدفع لإسرائيل، بل استعادة لقرار وطني لبناني. الفارق أساسي، لأن تنفيذ هذا الاستحقاق تحت النار سيمنح إسرائيل حق تحديد توقيته وشروطه، ويحول بناء الدولة من هدف سيادي إلى استجابة لإكراه خارجي.
يزداد هذا الخطر مع تعثر البحث في القوة البديلة لليونيفيل. فإيطاليا وغيرها من الدول المرشحة لا تريد قيادة مهمة في منطقة مفتوحة على القصف، ودون ضمانات مباشرة لسلامة عناصرها. وإسرائيل، في المقابل، ترفض تقديم هذه الضمانات، مما يجعلها قادرة على إسقاط البديل دون تحمل مسؤولية رفضه رسميًا. النتيجة المحتملة هي فراغ أممي يزيل الشاهد الدولي من الجنوب، ويترك الجيش اللبناني في مواجهة آلة عسكرية إسرائيلية متفوقة، دون آلية تحقيق محايدة أو قدرة على ردع الخروق. عندها، يصبح تحديد الوقائع مرهونًا بالطرف الذي يملك القوة والنار، لا بالقرارات الدولية أو الخرائط المعترف بها.
من هنا، تبدو الرسالتان الأمريكية والإسرائيلية متكاملتين، وإن اختلفت لغتهما. واشنطن تضغط للحصول على السلاح، وإسرائيل تضغط للحصول على الأرض. وبين الضغطين، يُدفع لبنان إلى تقديم ما عليه قبل الحصول على أي التزام مقابل. وهذه ليست تسوية متوازنة، بل مسار قد يقود إلى استسلام تدريجي إذا لم تنجح الدولة في فرض التلازم بين الانسحاب، ووقف الاعتداءات، وحصر السلاح، وضمان العودة. المشكلة إذًا ليست في اختيار التفاوض، بل في ألا يتحول الوقت الذي يحتاجه إلى فرصة لإسرائيل كي ترسم بالنار الخريطة التي ستفاوض لبنان عليها.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة