بنك الكويت الوطني: استثمار المليون دينار في المنافذ البرية.. مسؤولية مجتمعية تتجاوز الربح المادي


هذا الخبر بعنوان "الاستثمار في المجتمع مسؤولية وطنية" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣١ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تكتسب مبادرة بنك الكويت الوطني بتخصيص مليون دينار لترميم المنافذ البرية أهمية تتجاوز قيمتها المالية. فالبنك يساهم في تطوير مرفق عام لا يعود عليه بعائد مباشر، ويضع جزءاً من موارده في مشروع يعود بالنفع على المجتمع والدولة. لكن السؤال الأهم لا يتعلق بقيمة المبادرة بحد ذاتها، بل بمصيرها: هل ستبقى تبرعاً منفرداً، أم ستتحول إلى نموذج لعلاقة أكثر توازناً بين القطاع الخاص والمجتمع؟
هذا السؤال يجد جذوره في التجربة الكويتية نفسها. فقبل أن تتولى الدولة الحديثة بناء المرافق العامة، ساهمت القوى الاجتماعية في تمويل جانب من هذه الاحتياجات. إذ قامت المدرسة المباركية على مساهمات أهلية، ونشأت المكتبة الأهلية بجهود المثقفين وتبرعاتهم، بينما حوّل الوقف الكويتي القديم العقارات والآبار إلى منافع مستمرة للفقراء والمساجد والتعليم. ويمكن رصد الكثير من هذه الأوقاف في جولة بين أرجاء سوق المباركية وتصفح أسماء الأوقاف.
يمكن القول أن العطاء آنذاك كان وسيلة لإنشاء أصول ومؤسسات تستمر فائدتها بعد انتهاء التبرع، وهي تجسيد عملي لفكرة "الصدقة الجارية". ففي "سنة الهيلق" عام 1868، وحين ضربت المجاعة المنطقة، فتح المرحوم عبدالنبي معرفي مخازنه لإغاثة الناس، وبرز دوره من ضمن قائمة من تجار الكويت الكبار الذين تحركوا لإنقاذ المجتمع، مثل يوسف البدر ويوسف الصبيح اللذين كانا يعدّان موائد الطعام للمحتاجين.
وتوثق المراجع التاريخية مبادرات أحد الأثرياء المعروفين وهو المرحوم هلال فجحان المطيري، الذي ساهم إلى جانب آخرين في تأسيس شركة لتقطير المياه، ودعم التعليم في المدرسة المباركية، وموّل بناء السور الثالث، وساعد بعضاً من أسر قتلى معركة الجهراء. كما سخّر المرحوم حسين مكي جمعة جزءاً من أمواله لإقامة أهم مركز لعلاج مرضى السرطان وأشهرها في المنطقة.
وامتدت مساهمات المرحوم عبدالعزيز البابطين إلى بناء المرافق الصحية والثقافية ومكتبة للشعر العربي، وحملت العديد من المبادرات أسماء أصحابها بعدما تحولت ثرواتهم إلى مرافق يستخدمها الناس يومياً.
تكشف هذه النماذج أن عدداً من رجال الأعمال لم ينظروا إلى الثروة باعتبارها ملكية خاصة تنتهي عند صاحبها، وإنما عرفوا مبكراً إمكان تحويل جزء منها إلى أصل عام مستمر. غير أن هذه الثقافة اختلفت اليوم، لأن مركز الثقل الاقتصادي انتقل من الأفراد إلى الشركات، وأصبحت قدرة الشركات على التأثير في المجتمع أكبر كما أصبحت مسؤوليتها أكثر تعقيداً. فالشركات لا تعمل في فراغ وإنما تنمو داخل بيئة وفرتها الدولة والمجتمع عبر الطرق والموانئ والأراضي والأمن والتشريعات والسوق. لذلك لا ينبغي أن يبدأ النقاش من سؤال: كم ستتبرع الشركة؟ وإنما من السؤال عن نصيب المجتمع من القيمة التي تُنتج داخل بيئته؟
هذا بطبيعة الحال يتطلب الانتقال من منطق التبرع المؤقت إلى منطق الشراكة القابلة للقياس. فالمسؤولية الاجتماعية لا تختزل برعاية فعالية أو تسليم شيك، وإنما تظهر في دعم الصحة والتعليم والشباب، وإسناد العوائل المنكوبة والتضامن في حماية المجتمع وتحجيم جشع التجار.
ولكي تصبح مثل هذه المبادرات نموذجاً مستداماً، لا بد من إنشاء إطار وطني يوثق مساهمات الشركات، ويحدد أهداف كل مشروع وتكلفته ومدته وعدد المستفيدين منه ونسبة إنجازه. وعندها ينتقل التنافس من حجم الإعلانات إلى حجم الأثر الاجتماعي والإنساني، وإلى ما ينجزه كل طرف في حياة الناس، وفي التضامن للحد من غلاء الأسعار.
فالسؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه ليس من تبرع أكثر؟ وإنما من بنى أكثر وعالج أكثر وعلّم أكثر وترك أثراً مستمراً "صدقة جارية" بعد انتهاء الحملة. فالتبرع ينتهي عندما ينتهي المال، أما الشراكة الحقيقية فتبدأ عندما يتحول المال إلى قيمة عامة قابلة للقياس ويبقى أثرها في حياة الناس.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد