الذكاء الاصطناعي: ثالوث المستقبل الذي يجمع المجتمع والدين والتكنولوجيا


هذا الخبر بعنوان "الذكاء الاصطناعي والمجتمع والدين.. "ثالوث" يرسم المستقبل" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
نادراً ما يتقاطع مسار الجبر الحاسوبي والخوارزميات مع الشأن العام، لكن الدكتورة فاطمة أبو سالم، أستاذة علوم الحاسوب في الجامعة الأميركية في بيروت، كسرت هذا الحاجز لتركز على "الذكاء الاصطناعي المسؤول" وتأثيره الاجتماعي. تؤمن أبو سالم بأن المعرفة يجب أن تُشارك، وعندما برزت علوم البيانات، وجدت فرصتها لربط النظرية بالخدمة العامة في مجال يفتقر للباحثين المتخصصين. تنتمي أبو سالم إلى جيل عايش تطور الذكاء الاصطناعي قبل أن يصبح مرادفاً لـ«شات جي بي تي»، حيث كان استخدامه محفوفاً بالمخاطر. ينبع قلقها المزدوج من اختزال الجيل الجديد للذكاء الاصطناعي في مجرد أداة لتوليد النصوص والصور، ومن تحوله إلى سلعة تخضع للاحتكار والسياسات الجيوسياسية، بينما تكمن فوائده الحقيقية في قطاعات حيوية كالصحة والزراعة، وحتى في تقدير التكلفة البشرية للحروب التي غالباً ما تبقى بعيدة عن الأضواء.
المجتمع في الصدارة
من هذا القلق، انبثقت ورقتها البحثية المشتركة مع وسام سعادة، بعنوان «نحو تحوّل اجتماعي وتقني ومسؤول في الذكاء الاصطناعي في لبنان» (معهد عصام فارس، 2025). تسعى الورقة لمعالجة فرضية أن المشاكل المجتمعية لا تُحلّ بإسقاط التكنولوجيا عليها، بل بما تسميه "التشارك في التأثير"، مؤكدةً على مبدأ "لستُ بانتظار أن تخدمني التكنولوجيا؛ أنا أريد أن أؤثّر فيها". جاءت الورقة بالتزامن مع إطلاق لبنان للاستراتيجية الوطنية «ليب» (LEAP) لجعل البلد مركزاً إقليمياً في مجال الذكاء الاصطناعي. تصف أبو سالم عملها بأنه مكمّل للاستراتيجية وليس معارضاً لها، وتشدد على أن المجتمع هو صاحب القرار في التكنولوجيا التي تُقدم له، لذا اقترحت ضوابط لدعم الاستراتيجية وسد ثغراتها.
من «صحراء البيانات» إلى نماذج تعمل على الشمس
تصف الورقة لبنان بأنه "صحراء بيانات"، وتؤكد أبو سالم أن فكرتها عن ذكاء اصطناعي يعمل بالطاقة الشمسية ونماذج لغوية صغيرة ليست بعيدة عن الواقع. تدعو إلى "قدرة وطنية على الحوسبة وإدارة البيانات"، مشيرة إلى أن "لبنان غني بطاقته في الداخل وبلاد الانتشار".
في «الذكاء الاصطناعي اللا استعماري»
تميز أبو سالم بين تيارين: تيار اعتراضي يرى أن النماذج المصنوعة في الخارج لا تناسبنا، وتيار تفضله يقوم على "إعادة التوجيه"، أي أخذ النماذج المستوردة وتكييفها لتناسب مشاكلنا.
التحليلات: حركة مطلبية
من هذه الروحية، نشأت مبادرة «Urban Analytica» للتحليلات في خدمة النشاط المدني ضمن تجمّع الباحثين الناشطين (SAIL) في الجامعة الأميركية في بيروت. تنطلق المبادرة من سؤال شخصي: كيف يكون العالِم ذا جدوى في مدينة مثل بيروت؟ وجوابها أن يصبح المواطن، حتى لو لم يكن مبرمجاً، في موقع مطالبة اجتماعية وسياسية، مثل مساءلة المرشحين عن خططهم المتعلقة بالبيانات. هكذا تصبح التحليلات بمثابة حركة مطلبية، وجواباً على تساؤل "كيف؟" بعد شعار "يجب ويجب ويجب".
الذكاء الاصطناعي في الصحافة والحرب
أنشأت أبو سالم قواعد بيانات عن الضحايا والتضليل من الحربين السورية والعراقية، وتؤكد على المسؤولية الاستثنائية للصحافة في هذه المنطقة. تشير إلى مبادرات مثل «أمنستي» ومركز «بوليتزر» التي توظف الذكاء الاصطناعي لدعم المشاريع الاستقصائية وكشف الانتهاكات. تعبر عن أسفها لعدم القدرة على تجميع بيانات الصحفيين الشهداء في غزة وجنوب لبنان، رغم توثيق الأحداث بالهواتف، بسبب غياب قواعد البيانات. تتمنى إنشاء هيئة تنظيمية تتيح الشراكة الجماعية بين الناس والصحفيين، خاصة وأن الأطراف الأخرى في الحروب تستخدم الذكاء الاصطناعي بلا تردد.
انقسامات على خط الجدية
ترسم أبو سالم خريطة انقسامات في مجال الذكاء الاصطناعي، تضع في قمتها أميركا والصين، تليهما دول جادة في توظيف التكنولوجيا لسياساتها العامة. وتضع لبنان قرب شمال أفريقيا وشرق المتوسط، بينما تتقدم دول أخرى. داخل مجتمع الخبراء، هناك انقسام بين من يركز على بناء نماذج أذكى وأسرع، ومن يسأل عن المسؤولية الأخلاقية ووضع ضوابط لحماية البشرية من مخاطر هذه التكنولوجيا. تعتقد أن الحل يكمن في العلوم الإنسانية والفلسفات، التي تمنح التكنولوجيا غاية، وتخشى من الهوس بالذكاء الاصطناعي وتبخيس العلوم الإنسانية. وتنصح الطلاب بدراسة الفلسفة، مؤكدة أن دورهم في شركات التكنولوجيا قد يصبح أهم من دور المبرمجين.
ثالوث الذكاء الاصطناعي والمجتمع والدين
تشير أبو سالم إلى أن النقاش حول الذكاء الاصطناعي والمجتمع تطور ليشمل الدين، حيث تُستخلص من الفلسفات الدينية ضوابط أخلاقية. تؤكد أن الأديان تدعو إلى عدم الأذى وفعل الخير، وأن الذكاء الاصطناعي ركز على الأول وأهمل الثاني. ترى أن الإرث الديني يمكن أن يوجه الحوكمة نحو السلامة والازدهار.
لا حياد... ولا شتاء
تؤكد أبو سالم أن الذكاء الاصطناعي، كبنية رياضية، ليس محايداً ولكنه امتداد لاكتشاف العالم بالرياضيات. وعن احتمال "شتاء" جديد، ترى أنه مجرد انخفاضات مؤقتة، وأن "تحت الثلج نار". تتوقع ضوابط ملزمة قانوناً وقابلة للتطبيق، على غرار حجب أستراليا لوسائل التواصل عن القاصرين، مقابل نقد "الغُسل الأخلاقي" الذي لا يُطبق.
"الظاهرة المسمّاة لبنان"
تتمنى أبو سالم للبنان استخدام الذكاء الاصطناعي لخلق بيانات متعددة الوسائط لفهم ما جرى للبلد. تحلم بمشروع يدرس "هذه الظاهرة المسمّاة لبنان" كمنظومة معقّدة بأدوات الذكاء الاصطناعي السببي، لاكتشاف الأسباب بدلاً من التنبؤ. أمنيتها المتواضعة هي التمسك بالسؤال الذي طالما هرب منه اللبنانيون: "لماذا؟"
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة