قراءة في رواية يوسف معوض: حاييم فارحي وماضي المشرق العربي المستمر


هذا الخبر بعنوان "نحن وحاييم والماضي المستمر" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
قبل نحو مئتي عام، أتى اليهودي الدمشقي حاييم فارحي إلى عكا ليتولى الإدارة المالية في الولاية، فقضى ثلاثين عاماً في منصبه خادماً لثلاثة ولاة هم أحمد باشا الجزار وسليمان باشا وعبدالله باشا. ورغم هذا المنصب الرفيع وما حصّله من نفوذ، وشبكة علاقاته الممتدة في أرجاء السلطنة العثمانية وصولاً إلى اسطنبول، لم يحظَ بأي حصانة أو حماية إزاء البطش أو التنكيل، بدءاً من تشويه وجهه وقطع أنفه وأذنه وقلع عينه بأمر من أحمد باشا الجزار، وصولاً إلى قتله بأمر من عبدالله باشا ورمي جثته في البحر.
يتناول الكاتب يوسف معوض في روايته "حاييم صرّاف عكا- يهودي في ذمة الإسلام"، الصادرة عن دار رياض الريس في بيروت، هذه الوقائع بأمانة تأريخية وخيال روائي يستعيد ماضياً ما زال فاعلاً في حاضر المشرق العربي. تُظهر الرواية أثر مفهوم "الذمية" في تكوين الوعي السياسي للأفراد والجماعات حتى يومنا هذا، وما ينبثق عنه من نظام تمييزي قاسٍ يحكم الاختلافات الدينية والمذهبية والإثنية، فضلاً عن استعباد الرجال واستملاك النساء وسلطة التحكم بالحياة والموت بلا ضوابط، وهي ممارسات شهدناها في الديكتاتوريات والتنظيمات المسلحة والمتطرفة مثل "داعش".
يقدم الكتاب أيضاً وقائع عن أحوال شيعة جبل عامل، الذين تقلصت أعدادهم بين أواخر القرن الثامن عشر ومطالع القرن التاسع عشر من خمسين ألفاً إلى نحو 15 ألفاً جراء الحملات المتتالية، لتتكرر أصداء ذاك التاريخ في الضمير الجمعي اليوم وسط مخاوف وجودية. كما يسلط الضوء على اعتباطية التسلط في التعامل مع الجماعات المسيحية والدرزية واليهودية، وسيادة التملق والخوف ومنطق الغلبة حتى بين الجماعات المستضعفة ذاتها.
وفي المقابل، تشير الرواية إلى "الاستثناء" الذي بدأ يتشكل في جبل لبنان وبعض الولايات اليونانية والصربية حين سعي الإمارة الشهابية للاستقلال الذاتي متأتربة بطبائع الغرب، وهو ما جلب الويلات على البلد الذي ورث الإمارة وقرر تقديم الحرية على سواها. وتبقى رواية يوسف معوض تذكير بأن تاريخنا ماضٍ يأبى الانصرام.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة