لبنان
سياسة

الغموض الأمريكي: كيف تُبنى الاتفاقات وتُفجّر الأزمات من الصين إلى الشرق الأوسط؟

النهار٢٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٤:٣٢ ص0 مشاهدة
الغموض الأمريكي: كيف تُبنى الاتفاقات وتُفجّر الأزمات من الصين إلى الشرق الأوسط؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "اتفاق واحد وروايات متعددة... غموض أميركي من الصين إلى الشرق الأوسط" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تستخدم الولايات المتحدة أسلوب "الغموض البنّاء" في صياغة الاتفاقات الدولية، حيث يتم التوصل إلى نصوص مقبولة ظاهرياً، لكنها تحتمل تفسيرات متعددة، مما يسهّل التوصل إلى اتفاق مبدئي ولكنه غالباً ما يؤدي إلى أزمات عند مرحلة التنفيذ. يتكرر هذا النمط في ملفات شائكة تمتد من الصين إلى الشرق الأوسط، مروراً بملفات غزة ولبنان وإيران.

في غزة، تصر إسرائيل على نزع سلاح حماس قبل استكمال الانسحاب، بينما تجمع الخطة الأمريكية بين نزع السلاح والانسحاب والترتيبات الأمنية والسياسية في مسار واحد. وفي لبنان، تتداخل مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية مع مسار منفصل رعته واشنطن بين لبنان وإسرائيل، وسط خلاف على شروط الانسحاب ونزع سلاح حزب الله. أما في الملف الإيراني، فقد أعادت مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية إثارة التساؤلات حول ترتيب فتح مضيق هرمز ورفع الحصار والعقوبات وتنفيذ الالتزامات المتبادلة.

يعود هذا الأسلوب إلى تاريخ الدبلوماسية الأمريكية، حيث شاركت واشنطن في صناعة نصوص استطاعت الأطراف قبولها قبل الاتفاق الكامل على معناها. يُعرف هذا الأسلوب بـ"الغموض البنّاء"، وهو يتيح لكل طرف تقديم الاتفاق لجمهوره بتفسيره الخاص، مما يمنح الوسيط مساحة لوقف الحروب أو فتح العلاقات أو إطلاق العمليات السياسية. لكن هذا الغموض، الذي يسهّل الوصول إلى الاتفاق، قد يتحول إلى أزمة عند التنفيذ، حيث تظهر المشكلة الحقيقية في تحديد ما اتفق عليه الأطراف فعلياً.

الصين: خلاف داخل الاتفاق

يُعد التقارب الأمريكي-الصيني في عهد ريتشارد نيكسون مثالاً شهيراً. في "بيان شنغهاي" عام 1972، أعلنت بكين أن تايوان جزء من الصين، فيما قالت واشنطن إنها تقر بأن الصينيين على جانبي المضيق يقولون إن هناك صيناً واحدة وإن تايوان جزء منها، وإنها لا تتحدى هذا الموقف. سمحت هذه الصياغة للطرفين بالمضي قدماً دون حسم الخلاف، وبناء علاقة استراتيجية فوقه.

كامب ديفيد وأوسلو: تأجيل الأصعب

انتقلت هذه الفكرة إلى الشرق الأوسط بأشكال مختلفة. أنتجت كامب ديفيد عام 1978 إطارين مختلفين، أحدهما مهّد للسلام المصري-الإسرائيلي، والآخر تناول الضفة الغربية وغزة مع إبقاء قضايا الوضع النهائي مفتوحة. وتكرر المنطق بصورة أوضح في أوسلو عام 1993، حيث تم إنشاء سلطة فلسطينية انتقالية وترحيل قضايا القدس واللاجئين والمستوطنات والحدود إلى مفاوضات الوضع النهائي. هذا التأجيل للقضايا الخلافية الكبرى مكّن من التوصل إلى اتفاقات، لكنه أعادها لاحقاً كعقبات رئيسية أمام استكمالها.

الاتفاق النووي: النص واضح والمكاسب غامضة

في الاتفاق النووي الإيراني عام 2015، كان الاتفاق مفصلاً في الجانب النووي، لكن مساحة الخلاف ظهرت في الآثار الاقتصادية لرفع العقوبات. فقد بقيت عقوبات أمريكية أخرى مفروضة لأسباب تتعلق بـ"الإرهاب" وحقوق الإنسان خارج نطاق الاتفاق، مما خلق فجوة بين رفع العقوبات النووية وبين قدرة إيران على استعادة علاقاتها التجارية والمالية بصورة أوسع.

الدوحة: سلام أم انسحاب؟

قدم اتفاق الدوحة بين الولايات المتحدة وطالبان في شباط/فبراير 2020 مثالاً واضحاً لاختلاف معنى الاتفاق باختلاف الطرف الذي يقرأه. حدد النص مساراً لخروج القوات الأمريكية مقابل تعهدات من طالبان بمنع استخدام الأراضي الأفغانية لتهديد الولايات المتحدة وحلفائها، وفتح مفاوضات أفغانية داخلية. لكن العلاقة بين انسحاب القوات الأجنبية والتوصل إلى تسوية سياسية داخل أفغانستان بقيت غير محسومة، مما أدى إلى تباين سريع في تفسير الالتزامات، خاصة فيما يتعلق بملف الأسرى.

لبنان: اتفاق داخل اتفاق

في لبنان، تتداخل مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران مع مسار منفصل رعته واشنطن بين لبنان وإسرائيل. نصت المذكرة على وقف العمليات العسكرية، لكن كيفية ترجمة هذا الالتزام على الأرض بقيت مفتوحة. أما المسار اللبناني-الإسرائيلي، فقد ربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح الجماعات المسلحة. هذا التداخل بين مسارين رعتهما واشنطن بشروط مختلفة أدى إلى قراءات متباينة حول حدود الالتزامات الأمريكية وكيفية تنفيذها.

غزة: من ينفذ أولاً؟

تجمع الخطة الأمريكية في غزة بين نزع سلاح حماس والانسحاب الإسرائيلي والترتيبات الأمنية وإقامة إدارة فلسطينية جديدة. لكن الخلاف يتركز على تسلسل هذه الخطوات، حيث تصر إسرائيل على نزع سلاح الحركة قبل استكمال الانسحاب، بينما تبقى آلية نزع السلاح وترتيبها موضع تفاوض.

إيران: أي خطوة مقابل أي تنازل؟

في الحالة الإيرانية، يتجاوز الخلاف تنفيذ مذكرة التفاهم إلى ترتيب الالتزامات وما يعتبره كل طرف مقابلاً كافياً لتنفيذها. تظهر العقدة بوضوح في مضيق هرمز، حيث تريد واشنطن استعادة الملاحة بصورة كاملة، فيما تنظر طهران إلى سيطرتها على المضيق كورقة ضغط تربط التخلي عنها بالكامل بخطوات أمريكية مقابلة في ملفات الحصار والعقوبات.

أربعة أنواع من الغموض

تكشف هذه التجارب أربعة أشكال مختلفة من "الغموض البنّاء": غموض الكلمات (الصين وتايوان)، غموض التأجيل (كامب ديفيد وأوسلو)، غموض الشرطية (الدوحة)، وتداخل أشكال عدة في التفاهمات الأخيرة (غزة، إيران، لبنان). تنطلق هذه الأشكال من معضلة واحدة: كلما حاول الوسيط إغلاق أبواب التفسير، قلت المساحة التي تسمح للخصوم بالتوقيع، وكلما وسع تلك المساحة، زاد احتمال انتقال الخلاف إلى مرحلة التنفيذ. الغموض هو أداة ومخاطرة في الوقت نفسه، يفتح الباب أمام تفاهم قد يكون مستحيلاً بدونه، لكنه قد ينقل الخلاف الذي أنقذ المفاوضات إلى لحظة التنفيذ.

شارك الخبر: