لبنان
سياسة

الإعدام لعاطف نجيب: درس للصغار في هرم السلطة السورية

المدن٢٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٥:٢٢ ص0 مشاهدة
الإعدام لعاطف نجيب: درس للصغار في هرم السلطة السورية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "درس للصغار من الحكم بالإعدام على عاطف نجيب" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

أصدرت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، يوم الثلاثاء الماضي، حكماً بالإعدام حضورياً على عاطف نجيب، الذي شغل منصب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا سابقاً، وهو ابن خالة بشار الأسد. وشمل القرار أيضاً الحكم غيابياً بالإعدام على بشار الأسد وشقيقه ماهر، مع إصدار مذكرة ملاحقة دولية بحقهما. وقد اعتُبر هذا الجزء من القرار لفتة معنوية أكثر منه واقعية، حيث لا يُتوقع أن تسلم موسكو، التي تستضيف الأسد، المطلوبين، وتؤكد الأوساط الروسية أن أمر تسليمهما لم يُطرح مع دمشق.

قد يقلق بشار الأسد على مصيره، لكن ليس في سياق محاكمته حضورياً في دمشق. وربما تلقى نبأ الحكم عليه بابتسامة شماتة، فهذا الحكم غير قابل للتنفيذ، وقد يبقى طويلاً على قيد الحياة كأمثولة لسفاح نجا رغم جرائمه. ومصدر الارتياح الآخر أن المحاكمة كانت جنائية إلى حد كبير، ولم يُحاكَم عهده على النحو الذي يستحق، وهو ما سيكون حكم الإعدام الحقيقي والحضوري لو حدث في الحالة السورية، رغم عجز العدالة عن وضعه في القفص.

لعاطف نجيب وضع مختلف تماماً عن ابن خالته "الرئيس الهارب". فوفقاً للمعلومات المعلنة، لم يغادر سوريا، وتم القبض عليه دون أن يكون متخفياً بشكل مشدد يليق بالاتهامات المنسوبة إليه. لا يُعرف على وجه اليقين ما إذا كان قد حاول الهرب وفشل، أو استسلم لمصيره، أو كان مقتنعاً بما قاله أمام المحكمة بشأن عدم مسؤوليته عن بعض الجرائم، أو كونه مجرد موظف مأمور في جرائم أخرى. هذا الاحتمال الأخير اختزلته حنة أرندت بتعبير "تفاهة الشر"، مشيرة إلى الموظفين في "بيروقراطية" القتل الذين لا يشعرون تجاه ما ارتكبوه أثناء خدمة الآلة الرهيبة.

من المفارقات الخاصة بنجيب أن تُنسب إليه قصة شهيرة متعلقة بأطفال درعا، وهو غير مسؤول عنها تحديداً، بخلاف جرائم أخرى لا بد أنه ارتكبها أثناء عمله في المخابرات. ربما المصادفة وحدها جعلت غيره يرتكب تلك الجريمة، لا هو، إلا أن نسبتها إليه بدا منطقياً وقابلاً للتصديق، حتى أنه لم يعد قابلاً للتكذيب بعد أقواله في المحكمة حول تلك الحادثة، وتأكيد شيخ معارض له صلة بالقضية. يُذكر أن اسم الضابط الآخر، رئيس فرع مخابرات آخر في درعا، المسؤول مباشرة عن الحادثة التي أشعلت الثورة، قد نُسي.

أحد أسباب شهرة عاطف نجيب هو كونه ابن خالة بشار الأسد، وهذا أيضاً سبب في شهرة الجريمة المنسوبة إليه والنظر إليها كأنها صادرة عن أعلى مستويات السلطة آنذاك. لكن، كما هو معلوم، لم يكن منصب نجيب ذا شأن عظيم ضمن بيروقراطية القتل الأسدية، فرئاسة فرع مخابرات في مدينة صغيرة مثل درعا لا تشير إلى ابن خالة مدلل يُسند إليه منصب مهم. ربما لم تكن الصلة بينهما وطيدة، أو لم يلتقِ بشار بعاطف أبداً، فلم تكن قرابة الدم بينهما لازمة لقرابة دم أخرى مجرمة. التركيز على القرابة البيولوجية كان له دور إعلامي في الماضي، واستؤنف بعد القبض عليه. في حين من الأجدى الانتباه إلى قرابة الدم الأخرى، وهي الأوسع لأنها تضم آلافاً من أمثال نجيب، ولا تربطهم القرابة بآل الأسد.

ليست الغاية هنا القول إن آل الأسد وأنسباءهم، كأي عائلة أخرى، ليسوا مجرمين بالكامل ولا أبرياء بالكامل، بل تجريد نجيب من الهالة التي أُلبست له إعلامياً. في المقابل، ثمة "مكانة" مستحقة لأمثال نجيب، وهي مكانة الموظف المتوسط في بيروقراطية القمع والقتل. لا يصل إلى منصب رئيس فرع في محافظة شخص لم يُختبر استعداده ليكون ذلك الموظف الشرس، دون أن يُطلب منه ذلك كل مرة. فهو ليس "العبد المأمور"، ليس ذلك العنصر الذي ربما ساقته الظروف ليؤدي خدمته الإلزامية في واحد مما كان يُعد مسلخاً بشرياً في تلك الحقبة. أمثال نجيب، باختلاف تسمياتهم الوظيفية، هم بالآلاف، وثمة أضعاف لهذا العدد ممن كانوا طامحين لشغل تلك الوظائف القذرة، ومستعدين للتفوق فيها على أسلافهم لو أتيحت لهم الفرص.

تتجه الأبصار عادة إلى الحلقة العليا من السلطة، بينما لا تنال الانتباه نفسه الحلقات الوسطى منها، وهي تتولى الشطر الأعظم من الجانب التنفيذي لسياساتها. ومن طبيعة الحلقات الوسطى أنها أكثر ديناميكية، لأنها أكثر عرضة لتغيير شاغليها، ما يجعلها محط أنظار الطامعين بها، أو الطامعين بالمرور بها والترقي إلى ما هو أعلى. في الأوقات الاعتيادية يكون لمتوسطي المكانة شأن في مجتمعاتهم الصغيرة، ولدى المحكومين المباشرين. مثلاً، كان لنجيب هامش واسع من التسلط في محافظة درعا، وتقاسم التسلط المحلي مع رؤساء أفرع أخرى من المخابرات، أو مع ضباط كبار وشخصيات ذات وزن. في تلك الأوقات، حتى الاشتغال في آلة البطش والقمع لم يكن يُنظر إليه بسلبية، كما حدث بعد الثورة ومواجهتها بوحشية. بالطبع لم يكن سقوط النظام في البال، بل كان بقاؤه يبدو من الطبائع، وكذلك الطمع بالانتساب إليه والتقرب من حلقاته العليا.

هذه الحلقات الوسطى في بنية السلطة ليست مجرد وظائف ضمن تراتبية هرمية، إنها هي المكان الذي يُصنع فيه الاستبداد بأوسع معانيه وأعمقها. وفي العديد من التجارب في العالم، كانت محاكمة هذه الحلقات أكثر أهمية من محاكمة القادة الكبار، لأنها تمس البنية الأوسع والأعمق، ولأنها متاحة أكثر من محاكمة الكبار الذين ينتحرون أو يُقتلون، أو تتاح لهم فرص الهرب والنجاة. وبينما يقدّم هرب بشار الأسد ونجاته أمثولة على الإفلات من العقاب، كما حدث للعديد من الطغاة، فإن القبض على نجيب يقدّم أمثولة مختلفة تماماً. لم يفلت نجيب من العقاب، والأمر لا يتعلق بالعدالة التي نتمناها؛ ما يهمنا هنا أن عاطف نجيب وكثر من أمثاله لم يتح لهم مصير بشار، وذلك لم يكن مصادفة، ولا سوء تدبير منهم. ربما يمكن إجمال هرب الأول والحكم على الثاني بأن: الكبار يهربون والصغار يُعدمون. هو درس مستدام للصغار، المساهمين بفعالية شديدة في إنتاج الاستبداد وفي بنيته الهرمية، درسٌ هو أفضل ما يمكن أن تقدمه محاكمة عاطف نجيب ضمن الظروف الحالية.

شارك الخبر: