فيلم "غضب" اللبناني: قصة سطو على أزمة المصارف في مهرجان البندقية


هذا الخبر بعنوان "البندقية 83: لبنان المنهوب يسترد الوديعة بالسينما!" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يحوّل المخرج رامي قديح أزمة المصارف اللبنانية إلى قصة سطو مشوّقة تفضح فساد السلطة وعنف المجتمع في فيلمه الجديد "غضب". يُعد هذا الفيلم اللبناني الأول الذي يتناول أزمة المصارف على الشاشة، مسلطاً الضوء على الكارثة الاقتصادية التي عصفت بالبلاد، على أمل استعادة بعض الحقوق المعنوية للمودعين وتخفيف شعورهم بالعجز.
يستلهم الفيلم قصته من حادثة حقيقية لفتاة اقتحمت مصرفاً لبنانياً للمطالبة بأموالها المحتجزة، بعد الانهيار المالي الكبير الذي بدأ في أواخر عام 2019، وكانت بحاجة ماسة إليها لتأمين علاج شقيقتها المريضة. بعد نحو سبع سنوات من بداية الأزمة، تصل هذه القصة إلى مهرجان البندقية السينمائي (2 - 12 أيلول/سبتمبر) ضمن قسم "سبوتلايت"، وسط اهتمام إعلامي لافت، خاصة مع ارتباط اسم جورج كلوني بالمشروع كمنتج.
"غضب" هو الفيلم الروائي الطويل الأول لقديح (43 عاماً)، ويغوص في جرح لبناني عميق من خلال شخصيات متعددة، أبرزها شقيقتان، مارو (ريم مروة) وداليا (ماريا ناكوزي). تسعى مارو لإنقاذ أختها بتأمين تكاليف عملية جراحية، في بلد يتردد فيه شعار "بتدفع بتعيش، ما بتدفع بتموت". من هنا، تنطلق خطة السطو على المصرف، وتتوالى المفارقات والمواقف ضمن حبكة تنتمي بوضوح إلى سينما السطو، مستفيدة من السياق اللبناني الخاص لتقديم إيقاع سريع وتشويق لا ينقطع.
يُعتبر الفيلم، الذي قد يجد مكانه بين أفضل الأفلام اللبنانية، قاسياً في تصويره للبنان، ويعكس غضب المستضعفين. يلتقط الفيلم المزاج العام السائد في ظل الأزمات المتلاحقة، مع رؤية لا تتنازل عن استكشاف أقصى درجات التعبير، انسجاماً مع وضع لا يكف عن إنتاج خيارات متطرفة. يتناول الفيلم قضايا كالابتزاز، الترهيب، العلاقات القاسية، والعنف، بالإضافة إلى السلوكيات الميليشيوية التي لوثت البلد، متناولاً تفشي الوباء في مجتمع خطوط التماس وزعران الأزقة والأحزاب الطائفية، وصولاً إلى "سرقة العصر".
يتجلى ذلك في "غضب" بشكل تصاعدي، مع أسلوب بصري يميل إلى الألوان القاتمة التي تمنحه مسحة واقعية مؤلمة. لا يهدف الفيلم إلى تجميل الواقع، بل يكشف عن قبحه كجزء من النسيج الجمالي. تحضر النار بكثافة كحل أخير أو خاتمة طبيعية لعالم استنفد وسائل الخلاص. يُروى الفيلم بعين حكواتي ماهر، يجمع بين فن الحكاية البصرية والسينما كوسيلة للسرد، مقدماً وجبة سينمائية متماسكة ودسمة، تجمع بين لحظات التفكير وتنفيس الاحتقان، ضمن بنية درامية تقف على الحد الفاصل بين سينما المؤلف والجماهيرية.
ينكأ الفيلم الجرح اللبناني عبر حوارات ذكية وشخصيات واقعية، حيث تجد كل تفصيلة مكانها ومسوغها الدرامي وسط الفوضى الأخلاقية. في أحد المشاهد المركزية، الذي يهدف إلى تمويه عملية السطو، يظهر المجتمع اللبناني كميكروكوزم يعكس المناطقية، المتاريس المعنوية، ذاكرة الحرب الانتقائية، وعجز السلطة، وفائض القوة لدى بعض الجماعات. تتوزع الشخصيات بين من يريد النجاة ومن يتعامل بمنطق البلطجة، ومن سحقهم نظام فاسد، وبينهم من يرفض الرضوخ، لتولد السينما من قدرتهم على مقاومة الظلم.
مقارنة بمشهد من فيلم "بيروت الغربية" (1998) لأناس يتدافعون على رغيف خبز، لم تتغير سوى الوجوه، بينما انتقل الزعران من الشارع إلى خلف مكاتب المصارف وأروقة السلطة. يفتح فيلم رامي قديح صفحة جديدة في سينما ما بعد السلم المصطنع، متناولاً انهيار الدولة وأزمة المصارف، كحلقات متصلة في سلسلة واحدة. الفيلم، بقسوته الصريحة، يحرص على إظهار هذا الإرث الذي يعود إلى نصف قرن، والذي صنعت فيه الحرب اللبنانية ميليشيوية راسخة في النفوس. لا يختار الفيلم طريق تلقين الدروس أو التنظير السياسي، بل يضع القصة في المتناول ويترك مهمة الاستنتاج للمشاهد، على طريقة الحكّائين السينمائيين الأميركيين الكبار.
يستخدم الفيلم حكاية الشقيقتين كشقوق نطل منها على المجتمع اللبناني ومصائبه، في مقدمتها النظام البطريركي الذي يؤذي الرجال والنساء. السلطة السياسية، غائبة أو حاضرة، مدانة، إذ تبدو دائماً مستعدة لقلب المعادلة وتحويل المنهوب إلى ناهب.
ثقافة
ثقافة
اقتصاد
ثقافة