فيلم "غضب" لرstarامي قديح: السينما اللبنانية تكشف أزمة المصارف في مهرجان البندقية


هذا الخبر بعنوان "البندقية 83: لبنان المنهوب يسترد الوديعة بالسينما!" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يحوّل المخرج رامي قديح أزمة المصارف اللبنانية إلى قصة سطو مثيرة تفضح فساد السلطة وعنف المجتمع في فيلمه الجديد "غضب". يُعد هذا الفيلم أول عمل روائي طويل لقديح، ويقدم لأول مرة على الشاشة الكارثة الاقتصادية التي عصفت بلبنان، بهدف استعادة بعض الحقوق المعنوية للمودعين وتخفيف شعورهم بالعجز.
يستلهم الفيلم قصته من حادثة فتاة اقتحمت مصرفاً للمطالبة بأموالها المحتجزة بسبب الانهيار المالي، حيث كانت بحاجة ماسة إليها لعلاج شقيقتها المريضة. يأتي هذا الفيلم بعد نحو سبع سنوات من بداية الأزمة، وقد عُرض في مهرجان البندقية السينمائي، وسط اهتمام إعلامي لافت، خاصة مع ارتباط اسم جورج كلوني بالإنتاج.
تدور أحداث الفيلم حول شقيقتين، مارو (ريم مروة) وداليا (ماريا ناكوزي)، حيث تسعى الأولى لتأمين تكاليف عملية جراحية لأختها في بلد تسوده قاعدة "بتدفع بتعيش، ما بتدفع بتموت". هذا الدافع يقود إلى التخطيط لعملية سطو على المصرف الذي يحتجز أموالهما، مما يولد حبكة مشوقة تنتمي إلى سينما السطو، وتكتسب خصوصية فريدة في السياق اللبناني الواقعي، مما يمنح الفيلم إيقاعاً سريعاً وتشويقاً متواصلاً.
يُعتبر "غضب" فيلماً قاسياً وصريحاً تجاه لبنان، يعكس غضباً عارماً وعزاءً للمستضعفين. يلتقط الفيلم المزاج العام لبلد وشعب عانى كثيراً خلال العقود الأخيرة، ويذهب إلى أقصى الحدود في تصوير الواقع المؤلم، بما فيه من ابتزاز وترهيب وعنف وسلوكيات ميليشيوية. يتناول الفيلم الوباء الذي تفشى في المجتمع، من خطوط التماس إلى زعران الأزقة والأحزاب الطائفية، وصولاً إلى "سرقة العصر"، كل ذلك يتجلى بوضوح في الفيلم، معتمداً على طرح تصاعدي وأسلوب بصري يميل إلى الألوان القاتمة ليعكس واقعاً مؤلماً بلا تجميل.
يقدم الفيلم حكاية تُروى ببراعة سينمائية، تجمع بين التشويق والتنفيس عن الاحتقان، ضمن بنية درامية تقف على الحد الفاصل بين سينما المؤلف والجماهيرية. ينكأ الفيلم الجرح اللبناني عبر حوارات ذكية وشخصيات واقعية، ويكشف عن الفوضى الأخلاقية وفقدان البوصلة في المجتمع. في أحد المشاهد المركزية، يتم تصوير المجتمع اللبناني بمناطقيته وعجزه وسلوكيات جماعاته، مما يعكس بنية المجتمع اللبنانية المعقدة.
يُظهر الفيلم كيف أن بعض الشخصيات تسعى للنجاة بينما يتعامل آخرون بمنطق البلطجة، وكيف سحق النظام الفاسد الكثيرين. لكنه يسلط الضوء أيضاً على أولئك الذين يرفضون الرضوخ، والذين تولد منهم السينما بقدرتها على مقاومة الظلم. مقارنة بمشاهد سابقة في السينما اللبنانية، يظهر الفيلم أن الزعران انتقلوا من الشارع إلى مكاتب المصارف وأروقة السلطة.
يفتح فيلم رامي قديح صفحة جديدة في سينما ما بعد الحرب، متناولاً انهيار الدولة وأزمة المصارف، كحلقات متصلة في سلسلة واحدة. الفيلم، بقسوته الصريحة، يحرص على إظهار هذا الإرث الذي يعود إلى نصف قرن، والذي صنعت فيه الحرب اللبنانية ميليشيوية قذرة، وإن لم تعد حاضرة في الأفعال أحياناً، فهي راسخة في النفوس. لا يختار الفيلم طريق تلقين الدرس أو التنظير السياسي، بل يضع القصة في المتناول ويترك للمشاهد مهمة استخلاص العبر، مستخدماً حكاية الشقيقتين كشقوق نطل منها على مصائب المجتمع اللبناني، بما فيها النظام البطريركي الذي يؤذي الجميع، والسلطة السياسية المدانة سواء حضرت أو غابت.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة