الأزمة التعليمية في لبنان: أقساط المدارس تفرض خيارات صعبة على الأسر بين الدفع أو الرحيل


هذا الخبر بعنوان "اللبنانيون عاجزون عن الأقساط: الخضوع للمدارس أو الرحيل" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مع اقتراب العام الدراسي الجديد، يواجه الأهالي في لبنان واقعاً اقتصادياً قاسياً يجعل من التعليم عبئاً ثقيلاً يهدد قدرتهم على تأمين أبسط مقومات الحياة. تختصر سارة حمود حال الكثيرين بقولها: "البلد كله خربان، المدرسة والقرطاسية منهم، وأكتر". وتضيف لـ"المدن": "نعمل ليل نهار، في وظيفتين وثلاث، حتى نتمكن من تأمين تكاليف الحياة والمدرسة معاً".
لا تقتصر المشكلة على الأقساط المدرسية فحسب، بل تتعداها لتشمل تكاليف الكتب، القرطاسية، اللباس المدرسي، والنقل، وهي مصاريف تتراكم دفعة واحدة مع بداية أيلول. كل هذا في بلد أنهكت أزماته الاقتصادية والاجتماعية الأسر، وجعلت تأمين الأساسيات معركة يومية. وتعبر سارة عن مرارة هذا الواقع بقولها: "نأمل أن يكبروا أولادنا ويغادروا هذا البلد المتعب".
الأقساط المتزايدة: عبء متجدد
ليست أزمة الأقساط المدرسية جديدة في لبنان، لكنها تزداد قسوة عاماً بعد عام. فما كان يُدفع بصعوبة قبل سنوات، بات اليوم يتطلب إعادة ترتيب كاملة لأولويات الأسرة، في ظل عجز المداخيل عن مواكبة الارتفاع المتواصل في كلفة المعيشة. في بلد يشكل فيه التعليم الخاص أكثر من 70% من القطاع التعليمي، تبدو العلاقة بين المدرسة والأهل مختلة في ميزان القوة. فالمدرسة تحدد القسط والرسوم والبدلات، بينما يجد الأهل أنفسهم أمام خيارين: الدفع أو البحث عن مدرسة أخرى، مع ما يعنيه الانتقال من كلفة واضطراب وتحديات إضافية.
تقول بشرى عساكر، وهي أم لولدين، لـ"المدن": "كل عام يزيد القسط. تعوّدنا ولم نعد نتأثر. الأمر محتم علينا ولا نستطيع أن نفعل شيئاً. تأقلمنا. نريد أن تمر السنوات وننتهي من هذا الكابوس". هذا التأقلم ليس قبولاً بقدر ما هو استسلام أمام واقع لا تملك الأسرة أدوات تغييره.
تكاليف إضافية وكلفة الكتب
يفصل محمد حرب، أب لولدين، عام واحد بينهما، ومع ذلك، لا تستطيع الأسرة دائماً الاستفادة من كتب الابن الأكبر للابن الأصغر. يقول عن كلفة الكتب: "لا يقبلون أن يستعمل الولد كتب أخته، بحجة أنهم يكتبون عليها". هذه المسألة، بالنسبة إليه، ليست تفصيلاً صغيراً، فالكتاب الذي يمكن أن ينتقل بين الأطفال يوفر على الأسرة جزءاً من النفقات. ويضيف محمد، وهو يعبر عن شعور الأهل بأن كل شيء يزداد كلفة في الوقت نفسه، وأنهم يواجهون منظومة كاملة من المصاريف دون قدرة فعلية على التفاوض.
الاستدانة كحل اضطراري
فادي زكور، أب لثلاثة أولاد، لا يختلف حاله كثيراً. بالنسبة إليه، بات العام الدراسي موعداً ثابتاً للقلق. "كل عام تتكرر الأزمة نفسها، الغلاء وضيق الحال. أستدين لأدفع الأقساط"، يقول. الاستدانة، التي كانت تُستخدم في حالات استثنائية، تحولت لدى بعض الأسر إلى وسيلة لتغطية النفقات الأساسية. فبدل أن يكون راتب الأسرة كافياً لتأمين حاجاتها، يجري توزيع العجز على أشهر السنة. المشكلة لا تنتهي بانتهاء موسم التسجيل، فالقسط ليس سوى بداية الحساب، وهناك النقل، والطعام، والقرطاسية، والأنشطة المدرسية، والزيّ، والكتب، ومصاريف أخرى قد لا تظهر في الرقم الأساسي الذي تعلنه المدرسة.
الانتقال إلى التعليم الرسمي
رنا عيدو، التي أبقت أولادها في مدرسة خاصة لسنوات، اضطرت هذا العام لاتخاذ القرار الأصعب بنقلهم إلى المدرسة الرسمية. تقول لـ"المدن": "ما نقلتهم لأنني مقتنعة أن الرسمي أفضل، بالعكس، لدي مخاوف كثيرة. لكن لم يعد بإمكاني دفع القسط. ماذا أفعل؟ أتركهم بلا مدرسة؟". تعرف رنا جيداً المشاكل التي يعاني منها التعليم الرسمي في لبنان، من تراجع الإمكانات والمستوى، مروراً بتراجع انتظام العام الدراسي، وصولاً إلى أوضاع بعض المدارس وتجهيزاتها. لكن كل ذلك لم يعد كافياً للتمسّك بالمدرسة الخاصة بعدما أصبحت كلفتها تفوق قدرة الأسرة على الاحتمال. وتقول: "إذا بقيت في الخاص، سأستدين كل شهر. وأنا عندي مصاريف بيت وأكل وطبابة وفواتير، لا يمكنني دفعها، وفضّلت أن تكون على حساب المدرسة".
حق التعليم في مهب الأزمة
التعليم في لبنان لم يعد أزمة أقساط فقط، بل صار جزءاً من أزمة اجتماعية أوسع. عائلات تخشى تغيير مدارس أبنائها، وأخرى تنقلهم إلى التعليم الرسمي بحثاً عن كلفة أقل، فيما يحاول البعض الاستمرار في المدارس الخاصة ولو على حساب الاستقرار المالي للأسرة. والمفارقة أن التعليم، الذي يفترض أن يكون استثماراً في المستقبل، صار في بعض البيوت سبباً إضافياً في العجز عن تأمين الحاضر. ومع كل عام دراسي جديد، يعود السؤال نفسه: ماذا يستطيع الأهل أن يفعلوا؟ حتى الآن، لم ينجح الأهالي في تحويل وجعهم المشترك إلى قوة منظمة قادرة على فرض تغيير فعلي، سواء على الدولة أو على إدارات المدارس. تتكرر الشكاوى، ترتفع الأصوات مع كل زيادة في الأقساط، ثم يبدأ العام الدراسي، وتعود العائلات إلى دفع ما تستطيع، والاستدانة حين تعجز، والتأقلم حين لا يبقى أمامها خيار آخر.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد