الخرائط كأداة حرب ووعي: صراع إسقاط مركاتور مع رؤية الأرض المتساوية


هذا الخبر بعنوان "الخرائط والحروب... عن صراع "مركاتور" و"الأرض المتساوية"" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٩ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لطالما كانت الخرائط سلاحاً في معارك التصوّرات والحروب، وأداة لتشكيل الوعي، بالإضافة إلى كونها محاولات لتمثيل الجغرافيا على الورق، وهي محاولات لم تصل أبداً إلى حد الكمال. في إحدى التدريبات العسكرية في هاواي عام 2018، يضع جندي أميركي إحداثيات على الخريطة. قد يكون الصحافي الأميركي الساخر أمبروز بيرس (1842-1914) استوحى جملته الشهيرة "الحرب هي وسيلة الله لتعليم الأميركيّين الجغرافيا" من تجربته في الحرب الأهلية الأميركية. إلا أن الأميركيين أظهروا بطئاً في استيعاب الجغرافيا الدولية. فوفقاً للمؤرخ الفرنسي فلوريان لويس في كتابه "عن الجغرافيا السياسية في أميركا" (De La Géopolitique En Amérique - 2023)، كان علم رسم الخرائط، الكارتوغرافيا، ضعيفاً نسبياً في الولايات المتحدة مع بداية الحرب العالمية الثانية. في صيف عام 1942، أشارت مجلة "لايف" الأميركية إلى أن "الحرب العالمية تُعلّم الكارتوغرافيا العالمية". لكن هذا العلم لم يكن هدفاً بحد ذاته. ومن هنا، يمكن فهم سبب الضغط الأفريقي مؤخراً نحو إصدار خريطة عالمية جديدة تختلف عن تلك التي اعتاد العالم على رؤيتها لقرون، وهي خريطة العالم للعالم البلجيكي جيراردوس مركاتور.
في عام 1569، أراد مركاتور أمراً بسيطاً: تزويد البحّارة بوسيلة أسهل للتخطيط الملاحي. ولتحقيق ذلك، جعل مسار الملاحة، الذي يحافظ فيه البحّار على الاتجاه نفسه بالبوصلة، يظهر كخط مستقيم على الخريطة. نجح رسّام الخرائط في هدفه، لكن على حساب تناسب المساحات. فكلما اقتربت المناطق من القطبين، تضخّمت مساحتها على الخريطة مقارنة بالمناطق الاستوائية. على سبيل المثال، تبدو مساحة الولايات المتحدة والصين مجتمعتين أكبر من مساحة أفريقيا بأكملها، بينما في الواقع، تفوق مساحة القارة الأفريقية مجموع مساحات الولايات المتحدة والصين والهند بنحو الثلث تقريباً. يوضح إسقاط مركاتور للعالم الواقع بين خطي عرض 85 درجة هذا التشويه.
من هذا المنطلق، رأى خبراء وناشطون من أفريقيا أن إسقاط مركاتور قلل من قيمة القارة البشرية والاستثمارية. وعليه، تبنى الاتحاد الأفريقي مبادرة لتصحيح خريطة أفريقيا ودعم إسقاطات أكثر دقة في التمثيل. لاحقاً، دعت الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى التخلي التدريجي عن "مركاتور" وتبني إسقاطات أكثر إنصافاً، أبرزها إسقاط الأرض المتساوية (Equal Earth) الذي طوره علماء عام 2018 بناءً على إسقاط سابق يعود إلى الستينات. ومع ذلك، بالرغم من تناسب المساحات في إسقاط الأرض المتساوية، إلا أنه ليس ملائماً للملاحة أو لقياس المسافات بين الأماكن المختلفة. لا توجد طريقة مثالية لتمثيل سطح كوكب الأرض المنحني في مخطط ثنائي الأبعاد دون أي نوع من أنواع التشويه، سواء في الشكل أو المساحة أو المسافة أو الاتجاه. لذا، يبقى الخيار المتاح هو اختيار خريطة ذات تشويه معين، حسب الغرض المطلوب.
في السياق السياسي، وهو بيت القصيد هنا، استند انتقاد خريطة مركاتور إلى وجود "استعمار خريطي" وتحيزات موالية للغرب، حيث تجعل دول الغرب تبدو أضخم نسبياً على الخريطة. لكن من بين أكثر المتضررين سابقاً من إسقاط مركاتور دولة غربية عارضت مشروع "الأرض المتساوية" في الأمم المتحدة: الولايات المتحدة. لقد منحت خريطة مركاتور الأميركيين وهم الأمان قبيل الحرب العالمية الثانية، بحسب المؤرخ وعالم الجيوبوليتيك الفرنسي لويس. فإسقاط رسّام الخرائط البلجيكي يضع المحيط الأطلسي في محور المشهد، مما ساهم بشكل كبير في عدم توقع الأميركيين لهجوم بيرل هاربور، حيث بدت اليابان دولة "بعيدة جداً" عن الولايات المتحدة لدرجة لا تسمح بهجومها. هذا هو الانطباع الذي يتكون لدى كل من يراقب إسقاط مركاتور. كما يمكن نسيان، للوهلة الأولى، أن المسافة بين الولايات المتحدة وروسيا لا تتجاوز 82 كيلومتراً عند القياس من مضيق بيرينغ، وهو ما يتجاهله الإسقاط نفسه. (وصل الإنسان إلى القارة الأميركية لأول مرة قبل حوالي 12 ألف عام على الأقل عبر جسر بري في منطقة المضيق، نتيجة لانخفاض منسوب المياه بسبب العصر الجليدي السائد آنذاك). لهذا السبب، اختار عالم الخرائط ريتشارد هاريسون (1901-1994) خلال الحرب العالمية الثانية الإسقاط السمتي المتساوي الأبعاد (Azimuthal Equidistant Projection)، الذي يجعل القطب الشمالي مركز الخريطة، وهو الإسقاط الذي تستخدمه الأمم المتحدة حالياً على علمها. كان هدف هاريسون، بحسب لويس، هو إخراج الأميركيين من صدمة بيرل هاربور وحثهم على تغيير نظرتهم الانعزالية لبلادهم، وبالتالي دور الولايات المتحدة في العالم الجديد. في ذلك الوقت أيضاً، كان عالم الطيران يدفع باتجاه التخلص من التصورات السابقة التي ولدتها خريطة مركاتور.
في إحدى النواحي، كان الاتحاد الأفريقي محقاً. فالخرائط أكثر من مجرد أدوات موضوعية لتمثيل الجغرافيا على الورق. لكن إعادة مساحة أفريقيا المرسومة إلى حجمها الطبيعي قد لا تكون ضمانة للإنصاف. حتى مع الخريطة السابقة، كانت القارة مركز أطماع القوى الاستعمارية بالرغم من صغر مساحتها على الورق. ربما تراهن أفريقيا اليوم على أن حقبة الاستعمار قد انتهت وأنها ستجذب الاستثمارات الدولية بطريقة مشروعة. ولكن يمكن التفكير بمثل آخر. مع تقلص مساحة تمثيل غرينلاند في الخريطة الجديدة، وعلى افتراض استخدامها، هل من الممكن أن يتراجع الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن مسعاه لضم الجزيرة إلى أميركا بطريقة أو بأخرى؟ على الأرجح لا. فإلى جانب الاعتبارات الشخصية، هناك اعتبارات أخرى تدخل المعادلة، مثل مبدأ مونرو، والأهم، الخريطة الأممية السمتية نفسها التي تعزز فكرة أن أميركا ليست معزولة عن الأخطار القادمة من وراء القطب الشمالي. لن تكون الخريطة الجديدة ملزمة لأحد. لكن على الأقل، هي عكست حق أفريقيا في المشاركة في كيفية تمثيل نفسها على الخريطة العالمية، الورقية وربما الفعلية أيضاً.