واشنطن تضغط لتعديل قوانين مقاطعة إسرائيل: هل يجرؤ نائب لبناني على تقديم القانون؟


هذا الخبر بعنوان "واشنطن تفتح ملفّ المقاطعة: مَن يجرؤ على تقديم القانون؟" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تضع التحركات الأمريكية الأخيرة لبنان أمام معضلة تتجاوز تعديل قانون إلى إعادة تعريف العلاقة مع إسرائيل، وما إذا كانت الدولة تملك استراتيجية واضحة للانتقال من الهدنة إلى السلام. فثمّة فارقٌ بين أن تدعو واشنطن إلى إلغاء التشريعات التي تجرّم التعامل مع إسرائيل، وبين أن تجد نائبًا لبنانيًّا مستعدًّا لتبنّي هذا المطلب، ووضع اسمه وتوقيعه على اقتراح قانونٍ يرفع القيود عن التعامل معها، فيما تستمرّ الاعتداءات الإسرائيليّة والاحتلال، وتغيب التسوية السياسيّة التي يُفترض أن تسبق تبديل هذه العلاقة. وفي قلب هذه المفارقة، ينفتح سؤالٌ آخر: هل المطلوب تعديل قانون المقاطعة الصادر عام 1955، أم المساس بأحكام قانون العقوبات التي تجرّم التعامل مع العدوّ؟ والأهمّ، هل يُفترض أن يسبق التغيير القانونيّ القرار السياسيّ، أم أن يكون نتيجةً له؟
تُفيد مصادر نيابيّة لـِ "المدن" بأنّ السفير الأميركيّ في لبنان، ميشال عيسى، أشار خلال لقاءٍ جمعه بعددٍ من النوّاب اللبنانيّين إلى ماهية التقدّم باقتراح قانون لتعديل التشريعات التي تجرّم التعامل مع إسرائيل. وتتّجه الأنظار إلى موقف رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي من أيّ مبادرةٍ تشريعيّة محتملة، خصوصًا أنّ النقاش يتجاوز إمكانيّة تعديل القانون إلى التوازنات السياسيّة التي تحكم العلاقة مع إسرائيل. لكنّ السؤال الذي يسبق موقف برّي يبقى: مَن مِن النوّاب مستعدّ أصلًا لتقديم اقتراحٍ من هذا النوع وتحمّل تبعاته السياسيّة؟ فالتشريع يبدأ بمبادرةٍ معلنة، لا بموقفٍ دبلوماسيّ. ولا يكفي أن يقتنع عددٌ من النوّاب بضرورة السلام حتى يتحوّل الاقتناع إلى اقتراح قانون. إذ سيكون على النائب المبادر أن يبرّر لماذا ينبغي للبنان أن يرفع القيود عن التعامل مع إسرائيل الآن، وما الذي حصل عليه مقابل ذلك، وما إذا كان التعديل جزءًا من تسويةٍ سياسيّة أم خطوةً أحاديّة تسبقها.
يضع النائب مارك ضو، في حديثه لـِ "المدن"، النقاش في إطاره القانونيّ والسياسيّ، مشدّدًا على ضرورة التمييز بين أحكام قانون العقوبات اللبنانيّ المتعلّقة بالعدوّ، وبين قانون مقاطعة إسرائيل الصادر عام 1955. فالتشريعات اللبنانيّة لا تتضمّن جرمًا واحدًا جامعًا بعنوان "التواصل مع إسرائيل"، بل مجموعة أحكامٍ تختلف باختلاف طبيعة الفعل والغاية منه. وتنصّ المادة 275 من قانون العقوبات، الصادر بالمرسوم الاشتراعيّ رقم 340 عام 1943، على معاقبة اللبنانيّ الذي يتّصل بالعدوّ بقصد معاونته على انتصار قواته. وبالتالي، فإنّ جوهر الجرم هنا يتعلّق بالمساعدة العسكريّة المقصودة، وليس بمجرّد حصول اتصالٍ بين لبنانيّ وشخصٍ يحمل الجنسيّة الإسرائيليّة. أمّا المادة 278، فتتناول، ضمن شروطٍ محدّدة، تقديم المساعدة إلى جاسوسٍ أو جنديٍّ أو عميلٍ للعدوّ، أو الاتصال بأحد هؤلاء مع العلم بصفته. وتُجرّم المادة 285 إجراء صفقاتٍ تجاريّة مع رعايا العدوّ أو المقيمين في أراضيه، كما تتناول دخول أراضي العدوّ من دون الموافقة القانونيّة اللازمة. وهذه الأحكام لا تنحصر بإسرائيل، بل تتّصل بمفهوم العدوّ وبحماية أمن الدولة الخارجيّ. وتختلف عناصر الجرائم التي تنصّ عليها، كما تختلف المصالح القانونيّة التي تستهدف حمايتها. ومن هنا، يعتبر ضو أنّه من غير المنطقيّ المطالبة بتعديل أحكامٍ تجرّم التعامل مع العدوّ على نحوٍ يمسّ حماية أمن الدولة. فالقوانين التي تعاقب على معاونته ليست، في جوهرها، قوانين مقاطعةٍ سياسيّة لإسرائيل تحديدًا، بل نصوصٌ تتعلّق بسيادة الدولة وأمنها. وعليه، فإنّ إزالة الحظر عن بعض أشكال التعامل مع إسرائيل لا تستلزم إلغاء أحكامٍ تعاقب على التجسّس أو معاونـة العدوّ. كما أنّ التفاوض الرسميّ الذي تجريه الدولة ضمن صلاحياتها يختلف من حيث طبيعته عن الأفعال الجرميّة التي تستهدفها هذه المواد.
أمّا قانون مقاطعة إسرائيل الصادر في 23 حزيران 1955، فهو تشريعٌ مختلف في منشئه وغايته ونطاق تطبيقه. وقد صدر في سياق سياسة المقاطعة العربيّة لإسرائيل، وحظر إبرام اتّفاقاتٍ مع أشخاصٍ أو هيئاتٍ إسرائيليّة أو تعمل لمصلحتها، متى تعلّق الأمر بصفقاتٍ تجاريّة أو عمليّات ماليّة أو تعاملاتٍ أخرى، كما حظر إدخال السلع والمنتجات الإسرائيليّة والاتّجار بها. وتُنظَّم متابعة تطبيق أحكام المقاطعة من خلال مكتب مقاطعة إسرائيل، المرتبط بوزارة الاقتصاد والتجارة، والذي نُظّمت أعماله بموجب المرسوم رقم 12562 الصادر عام 1963. وهنا يصبح التمييز أكثر دقّة. فقانون المقاطعة يستهدف العلاقة مع إسرائيل تحديدًا، ويعكس خيارًا سياسيًّا واقتصاديًّا اتّخذته الدولة في سياق الصراع العربيّ الإسرائيليّ. أمّا قانون العقوبات، فيتضمّن قواعد أوسع لحماية أمن الدولة من أعدائها. وبحسب المقاربة التي يقدّمها ضو، يمكن أن يكون قانون 1955 موضع نقاشٍ سياسيّ وتشريعيّ إذا قرّرت الدولة تغيير طبيعة علاقتها مع إسرائيل. لكنّ إمكانيّة طرح التعديل قانونيًّا لا تعني توافر الاستعداد السياسيّ لتبنّيه، خصوصًا في الظروف الراهنة. فالنائب الذي يقترح تعديل قانون المقاطعة سيضع نفسه أمام مساءلةٍ تتعلّق بالغاية من الاقتراح: هل يريد تهيئة الطريق لاتّفاق سلام، أم رفع المقاطعة قبل اتّضاح شروط هذا الاتّفاق؟ وهل تترافق الخطوة مع التزاماتٍ إسرائيليّة مقابلة، أم تسبقها؟ والأهمّ أنّ تعديل قانون 1955 لا يعني تلقائيًّا سقوط الأحكام الجزائيّة الأخرى، ومنها المادة 285 المتعلّقة بالصفقات التجاريّة مع رعايا العدوّ. ولذلك، فإنّ أيّ مسارٍ تشريعيّ جدّي سيحتاج إلى تحديد النصوص المطلوب تعديلها، والتمييز بين المراجعة القانونيّة اللازمة لاتّفاقٍ سياسيّ وبين إلغاء أدوات حماية أمن الدولة.
منذ بروز القضيّة المتعلّقة بالسفيرة اللبنانيّة في واشنطن، ندى حمادة معوّض، اتّخذ النقاش حول قوانين التعامل مع إسرائيل منحًى يتجاوز النصوص الجزائيّة إلى الصراع على حدود التفويض السياسيّ والدبلوماسيّ. ففي 29 أيلول الماضي، تقدّم المحامي حسن عادل بزّي بإخبارٍ أمام النيابة العامّة التمييزيّة، على خلفيّة معلوماتٍ عن اتّصالٍ مزعوم أجرته السفيرة بنظيرها الإسرائيليّ، يحيئيل لايتر، للاطمئنان إلى نجله الذي أُصيب في عمليّة دهسٍ بالضفّة الغربيّة. واعتبر مقدّم الإخبار أنّ هذا التواصل يشكّل خرقًا لقانون مقاطعة إسرائيل، في حين بقيت صحّة الواقعة محلّ نزاع. وهنا يلفت ضو إلى أنّ ما حصل مع السفيرة والفريق التفاوضيّ يضع الموضوع في سياقٍ مختلف. فالتفاوض مع إسرائيل، في حدّ ذاته، لا يجيب عن السؤال المتعلّق بالاستراتيجيّة التي تعتمدها الدولة: هل تستهدف المفاوضات الوصول إلى ترتيباتٍ أمنيّة ضمن حالة العداء القائمة، أم الانتقال إلى اتّفاق سلام؟ وتتّصل هذه المسألة مباشرةً بصلاحيّات رئيس الجمهوريّة ورئيس الحكومة. فالمادة 52 من الدستور تنصّ على تولّي رئيس الجمهوريّة المفاوضة في عقد المعاهدات الدوليّة وإبرامها بالاتّفاق مع رئيس الحكومة، على ألّا تصبح مبرمةً إلّا بعد موافقة مجلس الوزراء، مع اشتراط موافقة مجلس النوّاب على فئاتٍ محدّدة من المعاهدات. وبذلك، فإنّ تكليف فريقٍ بالتفاوض شيء، وتحديد الغاية النهائيّة من التفاوض شيءٌ آخر. ولا يستطيع تعديل قانونٍ منفرد أن يحلّ محلّ قرارٍ سياسيّ تتّخذه المؤسّسات الدستوريّة المختصّة.
ويتّصل هذا النقاش أيضًا بالاتّصال الذي أجراه وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو بالرئيس جوزاف عون في 15 تشرين الأوّل. فبحسب روايةٍ نُقلت عن مسؤولٍ في الخارجيّة الأميركيّة، أثار روبيو قانون مقاطعة إسرائيل، معتبرًا أنّه يُستخدم في ملاحقاتٍ قضائيّة ذات طابعٍ سياسيّ تعرقل جهود السلام. في المقابل، ركّز البيان اللبنانيّ الرسميّ على مطالبة إسرائيل بوقف اعتداءاتها وتنفيذ التزاماتها، من دون إعلان تفاهمٍ على تعديل القوانين. ويكشف التباين بين الأولويّات الأميركيّة واللبنانيّة عن اختلافٍ في ترتيب الخطوات. فواشنطن تريد معالجة ما تعتبره عوائق قانونيّة أمام السلام، فيما تركّز الرئاسة اللبنانيّة على وقف الاعتداءات ومعالجة الوضع الأمنيّ. وإذا كان تعديل قوانين المقاطعة مطروحًا بوصفه خطوةً نحو السلام، فإنّ السؤال يتعلّق بما إذا كانت هذه الخطوة جزءًا من تسويةٍ متكاملة، أم مطلبًا يُراد تحقيقه قبل التوصّل إليها.
يضع ضو المسألة في إطار الخيارات الكبرى للدولة اللبنانيّة، مشيرًا إلى وجود نوّابٍ يريدون أن تكون استراتيجيّتها قائمةً على السلام، وأنّ هذه الوجهة ينبغي أن تكون جزءًا من عمليّةٍ سياسيّة واضحة. وبحسب مقاربته، يقف لبنان أمام خطَّين أساسيَّين في علاقته مع إسرائيل: استمرار منطق الهدنة، أو الانتقال إلى اتّفاق سلام. فاتّفاقيّة الهدنة الموقّعة في 23 آذار 1949 نظّمت وقف الأعمال العدائيّة والترتيبات العسكريّة، من دون أن تؤسّس لعلاقات سلام أو تُنهِ الخلاف السياسيّ بين البلدين. أمّا اتّفاق السلام، فيفترض تفاهمًا على الالتزامات المتبادلة، بما يشمل الترتيبات الأمنيّة والحدوديّة والعلاقات المستقبليّة. وتبعًا لذلك، يرى ضو أنّ انتقال لبنان إلى علاقةٍ مختلفة مع إسرائيل يجب أن يمرّ عبر اتّفاق سلامٍ واضح، تتبعه التعديلات القانونيّة اللازمة، لا عبر إلغاء القوانين بصورةٍ منفصلة عن التسوية السياسيّة. ويضع ضو هذا الخيار في سياقٍ أوسع، يتعلّق بالكلفة الباهظة التي دفعها لبنان نتيجة الحروب والصراعات، وبالحاجة إلى استراتيجيّة تحميه من استمرار تحوّله ساحةً للتجاذبات الإقليميّة. ومن هذه الزاوية، فإنّ تحييد لبنان يقتضي، وفق المقاربة التي يعرضها، تحديد علاقاته بمحيطه والعمل على تطويرها، بما يشمل سوريا وإسرائيل، على أساس المصالح اللبنانيّة والاستقرار والسيادة.
هنا يعود النقاش إلى نقطة انطلاقه. فثمّة نوّابٌ يريدون السلام، وثمّة ضغطٌ أميركيّ لتغيير التشريعات، لكنّ المسافة بين الأمرَين لا تختصرها ورقة اقتراح قانون. فإذا كان تعديل قانون المقاطعة نتيجةً طبيعيّةً لاتّفاق سلام، فإنّ طرحه قبل هذا الاتّفاق يفرض على مقدّميه تبرير توقيته ومضمونه والضمانات المقابلة له. أمّا إذا كان الهدف من التعديل فتح الطريق أمام المفاوضات، فيبقى السؤال عن سبب الحاجة إليه، ما دامت الدولة تستطيع ممارسة صلاحياتها التفاوضيّة ضمن الأطر الدستوريّة. وهكذا، فإنّ العقدة لا تقف عند برّي أو عند إمكانيّة تشكيل أكثريّة نيابيّة. إنّها تبدأ قبل ذلك، عند النائب الذي سيُطلب منه أن يوقّع الاقتراح، ويتبنّى علنًا تغييرًا في العلاقة القانونيّة مع إسرائيل قبل أن تكون الدولة قد حسمت استراتيجيّتها السياسيّة. فواشنطن تستطيع أن تدفع نحو تعديل القانون، لكنّها لا تستطيع أن تحلّ محلّ المؤسّسات اللبنانيّة في تقرير العلاقة مع إسرائيل. وبين حقّ النوّاب في التشريع وصلاحيّات السلطة التنفيذيّة في التفاوض، تبقى المسألة الأساسيّة معلّقة: هل يقرّر لبنان الانتقال إلى السلام ثم يغيّر قوانينه، أم يُطلب منه تغيير قوانينه قبل أن يكون قد قرّر إلى أين يريد الذهاب؟
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة