لبنان
سياسة

زيارة إبراهيم كالين لأثينا: قراءة في الخريطة الأمنية الإقليمية الجديدة

النهار١٧ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٢:٤٠ م0 مشاهدة
زيارة إبراهيم كالين لأثينا: قراءة في الخريطة الأمنية الإقليمية الجديدة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "ما الذي فعله إبراهيم كالين في أثينا؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٩ أيلول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في ظل تحولات إقليمية متسارعة، تسعى أنقرة لبناء مسار أمني جديد مع كل من السعودية وباكستان، بينما تدفع إسرائيل باتجاه توسيع شبكتها الأمنية لتشمل اليونان وقبرص اليونانية. وفي خضم هذه التحولات، تقف أثينا في موقف يتطلب منها الموازنة بين الحفاظ على شراكتها مع إسرائيل وعدم خسارة قناة التواصل مع تركيا.

لم تكن زيارة رئيس جهاز الاستخبارات التركية، إبراهيم كالين، إلى أثينا مجرد لقاء روتيني مع نظيره اليوناني، فقناة التواصل بينهما قائمة منذ سنوات. لكن توقيت الزيارة وحساسيتها، في ظل ظرف إقليمي متغير، حملت أبعاداً أعمق. لم تقتصر أهداف الزيارة على مناقشة الخلافات التقليدية بين تركيا واليونان، بل هدفت إلى استقراء موقع أثينا ضمن التحولات الجيوسياسية الإقليمية الجديدة، وتقييم مدى عمق شراكتها مع إسرائيل تحت مظلة ما يُعرف بـ "درع آخيل"، خاصة في الوقت الذي كانت فيه أنقرة توسع شراكاتها الأمنية مع السعودية وباكستان وتخوض مواجهة مع تل أبيب على جبهات متعددة تشمل غزة وسوريا ولبنان، وصولاً إلى شرق المتوسط.

أراد كالين إيصال رسالة واضحة لأثينا: يمكن لليونان تطوير تعاونها مع إسرائيل، لكن عليها تجنب تحويل هذا التعاون إلى جبهة جديدة في مواجهة تركيا. أنقرة لا ترغب في أن تجد نفسها أمام بيئة أمنية تتمدد جغرافياً لتشمل إسرائيل واليونان وقبرص اليونانية في شبكة واحدة. ولذلك، أصبحت إدارة العلاقة مع أثينا جزءاً لا يتجزأ من إدارة التنافس مع تل أبيب. كان الهدف هو اختبار موقف أثينا، وليس مجرد الاستماع إليها. سعت أنقرة لمعرفة حدود الشراكة الأمنية اليونانية ـ الإسرائيلية، وإلى أي مدى يمكن أن تتحول من تعاون دفاعي إلى أداة للضغط على تركيا. فـ"درع آخيل" لا يُنظر إليه في أنقرة كصفقة عسكرية منفصلة، خاصة عندما يأتي في سياق تنسيق أوسع بين إسرائيل واليونان وقبرص اليونانية، وفي وقت يمتد فيه التنافس التركي ـ الإسرائيلي من سوريا إلى شرق المتوسط.

تمثل الهدف الثاني في منع الخلاف التركي ـ اليوناني من التحول إلى جزء من صراع إقليمي أوسع. فالخطر الذي يهدد أنقرة هو دخول حسابات إسرائيلية وسورية وقبرصية جديدة على ملفات التوتر القائمة. ومن هنا تبرز أهمية قنوات الاستخبارات: عندما تتغير موازين القوى، تصبح قنوات الاتصال المباشر أداة حيوية لمنع سوء التقدير، وضبط الأزمات، وقراءة نوايا الطرف الآخر قبل أن تتحول التحركات العسكرية والأمنية إلى وقائع يصعب التراجع عنها. لذلك، لم يكن المطلوب من كالين حل الخلافات التركية ـ اليونانية، بل وضع سقف لها في ظل المتغيرات الإقليمية الحاصلة.

أما الهدف الأوسع للزيارة، فكان قراءة موقع اليونان على الخريطة الأمنية التي تتشكل حول تركيا. فبينما تبني أنقرة مساراً أمنياً جديداً مع السعودية وباكستان، وتدفع إسرائيل باتجاه شبكة أوسع مع اليونان وقبرص اليونانية، تقف أثينا في موقف يتطلب منها الموازنة بين الحفاظ على شراكتها مع إسرائيل وعدم خسارة قناة التواصل مع تركيا، شريكة الأطلسي. هذه هي المعادلة المعقدة التي ذهب كالين إلى أثينا لقياسها.

من المبكر الحكم على ما إذا كانت زيارة كالين قد أفضت إلى تفاهمات تمنع تثبيت قواعد لعبة جديدة في العلاقات التركية ـ اليونانية. لكن قيمة الزيارة لا تكمن فقط فيما قيل خلف الأبواب المغلقة، بل في مدى نجاح أنقرة، عبر الحفاظ على قناة تواصل مباشرة مع أثينا، في إقناعها بالابتعاد عن محاولات الاستقطاب الإسرائيلية. لقد وضعت الزيارة أثينا أمام معادلة لا يمكن تجاهلها: يمكن للتعاون مع إسرائيل أن يتوسع، لكن موقع اليونان الجغرافي، وعلاقاتها داخل الناتو، وحاجتها إلى إدارة ملفاتها مع تركيا، تجعل من الصعب عليها التعامل مع أنقرة كطرف يمكن تجاوزه في أي ترتيبات أمنية جديدة في شرق المتوسط.

لا ينبغي قياس نتيجة زيارة كالين بما إذا كانت اليونان ستتراجع عن شراكتها مع إسرائيل؛ فهذا ليس الهدف الذي تراهن عليه أنقرة. المعيار الأهم هو ما إذا كانت أثينا ستبقي هذه الشراكة ضمن حدود لا تحولها إلى اصطفاف عسكري جديد في مواجهة تركيا. تدرك أنقرة أن شراكة اليونان مع إسرائيل ستستمر، ولذلك ستبقى أثينا في الحسابات التركية أكثر من مجرد خصم في بحر إيجه؛ إنها اختبار لحدود الخريطة الأمنية التي تتشكل حول تركيا. لكن الزيارة كشفت بوضوح أن العلاقة التركية ـ اليونانية دخلت مرحلة جديدة: لم يعد السؤال كيف يدير الطرفان خلافاتهما فقط، بل كيف يمنعان هذه الخلافات من أن تصبح جزءاً من صراع إقليمي تتسع دوائره.

شارك الخبر: