نداء النبطية الثاني: بوادر وعي جنوبي جديد يتجاوز حدود الصراع


هذا الخبر بعنوان "نداء النبطية الثاني وتخوم الوعي الجنوبي" نشر أولاً على موقع المركزية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١١ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يكن «نداء النبطية الثاني» مجرد دعوة لإنقاذ مدينة تواجه الخطر، أو استكمالاً لنداء سابق حذر من تهديد وشيك. بل تجاوز الوضع بين النداءين مرحلة التحذير ليصبح الخطر وجودياً على مدينة النبطية، وما تمثله لجبل عامل والبيئة الشيعية الجنوبية بأكملها. فالنبطية ليست مجرد مدينة في مرمى الحرب، بل هي مفصل اجتماعي وثقافي وحضاري في تاريخ جبل عامل، وحاضرة أساسية ذات موقع جغرافي واقتصادي وتعليمي، تتعرض اليوم للحصار بالخطر.
لذلك، لم يعد من الممكن التعامل مع ما يجري فيها كشأن محلي أو عسكري بحت، بل كلحظة تستدعي تحذير المجتمع، وخاصة الجنوبي، من مغزى ما يحدث. لا تُقاس أهمية النداء بعدد الموقعين عليه أو بقدرته على إنتاج حالة سياسية منظمة في الوقت الراهن، بل في كونه فعلاً سياسياً يختلف عن السائد، ويفتح نافذة في جدار النمطية التي كرسها «الثنائي الشيعي» في مقاربة المجتمعات الجنوبية، والتي جعلت الجنوب يبدو أحياناً ككتلة واحدة، وموقف واحد، وصوت واحد. المجتمعات ليست كذلك، وفي لحظات الخطر والحساسية، تعيد بلورة نفسها وتستعيد قدرتها على التفكير والدفاع عن مصالحها، والتمييز بين ما يُقال باسمها وما تريده حقاً.
من هنا، فإن «نداء النبطية الثاني» ليس تنظيماً أو حالة انتظام سياسي أو إعلاناً عن انقسام داخل البيئة الشيعية الجنوبية. إنه تعبير عن حالة تتبلور أولاً على مستوى الوعي والتفكير الجمعي، وقد تؤسس لاحقاً، إذا نضجت شروطها، لحراك سياسي اعتراضي. وهنا تكمن دلالته الأعمق. فالحرب لم تدمر الحجر وحده، بل تركت حروب الإسناد وما تلاها آثاراً اجتماعية واقتصادية ونفسية عميقة، وشتت العائلات، وضربت مصادر الرزق، وهددت مدناً وقرى وحواضر هي جزء من الذاكرة الجنوبية.
حين يصبح البيت مهدماً، والمدينة مهددة، والعودة نفسها غير مضمونة، يبدأ السؤال عن الحرب بالتحول إلى سؤال عن الحياة. يمكن للجنوبي أن يبقى رافضاً للاحتلال، متمسكاً بحق الجنوب في الدفاع عن نفسه، ومؤيداً للمقاومة، وفي الوقت نفسه أن يسأل: مَن يقرر الحرب؟ مَن يدفع ثمنها؟ مَن يحمي المدينة؟ مَن يضمن أن يبقى الجنوب قابلاً للحياة؟
هنا نصل إلى تخوم الوعي الجنوبي. فالمسألة ليست انتقالاً من حزب إلى حزب، ولا انقلاباً على «الثنائي الشيعي»، بل بداية انتقال محتمل من «المقاومة أولاً» إلى «الجنوب أولاً»؛ من سؤال السلاح إلى سؤال البقاء؛ ومن سؤال: مَن يمثل الطائفة؟ إلى سؤال: مَن يمثل مصالح أهلها؟ ولهذا، تصبح عبارة «بقاء النبطية أهم من بقاء السلاح» أكثر من شعار. إنها إعادة ترتيب للعلاقة بين الوسيلة والغاية. السلاح وسيلة، أما الإنسان والمدينة والأرض والذاكرة فهي الغاية. وإذا أصبحت الوسيلة تهدد الغاية، فمن حق المجتمع أن يسأل وأن يعيد النظر.
الوعي لا يبدأ عندما تتغير المواقف، بل عندما يصبح السؤال ممكناً. لذلك، قد لا يكون «نداء النبطية الثاني» بداية حراك سياسي مكتمل، لكنه بالتأكيد يمهّد لإعادة صياغة الوعي الجمعي. فهو يقول إن الجنوب ليس كتلة صامتة، وإن الجنوبي ليس رقماً في ميزان المحاور، وإن المدن ليست مجرد مواقع في معركة. الجنوب مجتمع يريد أن يحيا، ومدن يريد أهلها أن تبقى، وذاكرة لا تريد أن تتحول إلى ركام.
ومن هنا، فإن قيمة النداء ليست فقط في إنقاذ النبطية اليوم، بل في فتح الطريق أمام سؤال أكبر: هل يستطيع الجنوب أن يستعيد حقه في تعريف مصلحته بنفسه؟ وعليه، ربما يكون «نداء النبطية الثاني» أول خطوة على هذا الطريق. إنه يقف عند تخوم وعي جديد، لم يكتمل بعد، لكنه بدأ يتشكل.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة