لبنان
تكنولوجيا

دبي: كيف أعادت تشكيل المشهد الإعلامي العربي على مدى ربع قرن؟

النهار١٧ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٥:٣٢ ص0 مشاهدة
دبي: كيف أعادت تشكيل المشهد الإعلامي العربي على مدى ربع قرن؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "دبي: مدينة غيّرت خريطة الإعلام العربي" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١١ أيلول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في مطلع الألفية، كان هناك رهان مختلف: هل يمكن بناء مركز إعلامي عربي جديد لا يعتمد على مؤسسة واحدة، بل على بيئة تجمع المؤسسات والصحافيين وشركات الإنتاج والإعلان والتكنولوجيا في مكان واحد؟ دبي، المدينة التي غيرت خريطة الإعلام العربي، بدأت قصتها قبل خمسة وعشرين عاماً. في ذلك الوقت، كان جزء كبير من الإعلام العربي العابر للحدود يُدار من خارج المنطقة، حيث كانت لندن مقراً لعدد من أبرز المؤسسات الإعلامية العربية، بينما احتفظت القاهرة وبيروت بثقلهما التاريخي، وكانت دبي لا تزال تبني موقعها على خريطة إعلامية تبدو شبه مستقرة. لكن الرهان الجديد كان يتمحور حول إنشاء مركز إعلامي عربي جديد يجمع كل الأطراف المعنية في مكان واحد. من هنا انطلقت قصة مدينة دبي للإعلام. بالتوازي، كانت دبي تبني بنية أخرى للإعلام العربي، لا تقتصر على المقار والاستوديوهات. تأسس نادي دبي للصحافة عام 1999، وانطلقت جائزة الصحافة العربية التي أصبحت لاحقاً "جائزة الإعلام العربي"، ثم جاء منتدى الإعلام العربي عام 2001. كان المشروع يسير على خطين متوازيين: مكان للعمل الإعلامي، ومنصة للقاء الإعلام العربي ومناقشة مستقبله وتكريم تميزه. بعد ربع قرن، يمكننا تقييم ما فعلته دبي فعلياً بخريطة الإعلام العربي. لم تكن الجغرافيا وحدها التي تغيرت مع تحرك المركز الإعلامي في مطلع الألفية، بل صناعة الإعلام نفسها كانت تدخل مرحلة انتقالية كبرى. كسرت الفضائيات الحدود الوطنية للبث، وصنعت الأقمار الاصطناعية جمهوراً عربياً موحداً، بينما كان الإنترنت يعيد تشكيل علاقة الجمهور بالخبر. في خضم هذا التحول، تأسست مدينة دبي للإعلام لتوفير بيئة متخصصة للمؤسسات الإعلامية، ضمن نموذج المنطقة الحرة الذي أتاح الملكية الأجنبية الكاملة للشركات، ووفر بنية تحتية وخدمات تجارية وتقنية مصممة للصناعة. لكن الامتحان الحقيقي كان في استقطاب المؤسسات. جاء أحد أهم الأجوبة عام 2002 عندما نقلت مجموعة MBC مقرها إلى دبي بعد أكثر من عقد على انطلاقها من لندن. لم يكن هذا مجرد انتقال شركة، بل كان رمزاً لمرحلة "الإعلام العربي المهاجر" الذي اتخذ من لندن قاعدة له. وفي عام 2003، انطلقت قناة "العربية" من دبي، ومع مرور السنوات، جذبت المدينة مؤسسات إقليمية وعالمية مثل CNN و رويترز و Discovery Networks، بالإضافة إلى مجموعات إعلانية عالمية مثل WPP و Publicis Groupe. بدأت فكرة "المدينة الإعلامية" تتجاوز العقارات والمكاتب لتشمل منظومة متكاملة من شركات الإنتاج والإعلان، والخدمات التقنية، والمواهب من أسواق عربية مختلفة. أصبحت دبي نقطة التقاء للصحافيين والمنتجين والمذيعين والخبراء من مختلف الدول العربية، مما خلق سوق عمل إعلامية عربية عابرة للحدود. توسعت المنظومة لتشمل "المجمع الإعلامي" التابع لمجموعة TECOM، والذي يضم مدينة دبي للإنتاج ومدينة دبي للاستوديوهات. يضم هذا المجمع حالياً أكثر من 4 آلاف شركة وأكثر من 40 ألف مهني ومبدع، ويستضيف أكثر من 60 في المئة من شركات Fortune 500 العاملة في قطاع الإعلام. ما بدأ كمشروع لاستقطاب المؤسسات أصبح منظومة اقتصادية ومهنية متكاملة. من الإعلام إلى اقتصاد المحتوى، تغير تعريف "الإعلام" ليشمل المنصات الرقمية، والبث عند الطلب، والبودكاست، والألعاب، وصناعة المحتوى المستقل، وشركات التكنولوجيا وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي. أطلقت دبي في عام 2021 استراتيجية دبي للاقتصاد الإبداعي لترسيخ موقعها كمركز عالمي للصناعات الثقافية والإبداعية. حافظت دبي للعام الثالث على التوالي على المرتبة الأولى عالمياً في استقطاب مشاريع الاستثمار الأجنبي المباشر في الصناعات الثقافية والإبداعية، مستقطبة 971 مشروعاً في عام 2024، بزيادة بلغت 8 في المئة، وبلغت تدفقات رؤوس الأموال نحو 18.86 مليار درهم. لم يعد قياس أثر دبي في المشهد الإعلامي يقتصر على عدد الشركات والاستثمارات. تأسس نادي دبي للصحافة عام 1999، ومنتدى الإعلام العربي عام 2001، ليصبحا من أبرز المواعيد التي تجمع العاملين في القطاع. جائزة الإعلام العربي، التي بدأت كـ"جائزة الصحافة العربية"، توسعت لتشمل الصحافة والإعلام المرئي والرقمي، معترفة بتغير تعريف الإعلام نفسه. لم تجعل دبي الخريطة الإعلامية العربية ثابتة، بل أسهمت في جعلها أكثر تنافسية، حيث تستثمر مدن عربية أخرى بقوة في الإعلام والترفيه والصناعات الإبداعية. التحدي اليوم هو المنافسة على شركات التكنولوجيا والمنصات الرقمية واستوديوهات الألعاب وصنّاع المحتوى والمواهب التي ستصنع إعلام المستقبل. تغير معنى "المركز الإعلامي" نفسه، ليصبح شبكة معقدة تضم مؤسسات صحافية وتلفزيونية، شركات إعلان وإنتاج وتكنولوجيا، منصات رقمية، استوديوهات، صنّاع محتوى، مطوري ألعاب، وخبراء بيانات وذكاء اصطناعي. لم تعد دبي وحدها في هذا السباق، فالمنافسة بين المدن العربية تعكس أن الإعلام صناعة، والمحتوى اقتصاد، والمواهب قوة جذب. السؤال الذي يبدأ به ربع القرن المقبل هو: أين ستنشأ المنصة، والاستوديو، وشركة الألعاب، ومختبر الذكاء الاصطناعي، والمبدع الذي سيصنع إعلام 2051؟ دبي غيرت الإجابة عن السؤال الأول، والسباق مفتوح الآن للإجابة عن الثاني.

شارك الخبر: