الأباتي بولس نعمان: رحيل راهب "الإنسان والوطن والحرية" عن 94 عاماً


هذا الخبر بعنوان "رحيل الأباتي بولس نعمان عن 94 عاماً... راهب "الإنسان والوطن والحرية"" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١١ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
توفي الأباتي بولس نعمان عن عمر يناهز 94 عاماً، تاركاً وراءه مسيرة حافلة جمعت بين الرهبنة والتاريخ والعمل الوطني، وجعل من شعار "الإنسان والوطن والحرية" خلاصة رؤيته للبنان. غيّب الموت، يوم الجمعة، الرئيس العام السابق للرهبانية اللبنانية المارونية، الأباتي بولس نعمان، عن 94 عاماً، بعد أن أمضى حياته في خدمة الرهبنة والبحث التاريخي والعمل الأكاديمي، وانخراط عميق في القضايا الوطنية.
كان نعمان أحد أبرز الوجوه الروحية والفكرية التي عاصرت المراحل الأكثر اضطراباً في تاريخ لبنان الحديث. شهد الحرب اللبنانية وشارك فيها كمراقب ملتزم، قبل أن يعود إليها مؤرخاً يحلل الوقائع ويستخلص الدروس للأجيال القادمة. ظلّ سؤاله المركزي يتمحور حول قدرة اللبنانيين على بناء دولة ديموقراطية تحتضن الجميع، بعيداً عن الهيمنة والولاءات المتنازعة. ورأى أن هوية لبنان المستقلة لم تعد حكراً على طائفة معينة، بل أصبحت تجمع المسيحيين والمسلمين الذين يؤمنون بالحرية وسيادة الدولة.
وُلد بولس نعمان في بلدة شرتون بقضاء عاليه عام 1932، والتحق بدير الابتداء عام 1951. درس الفلسفة واللاهوت في جامعة الروح القدس–الكسليك، ثم تابع تخصصه في التاريخ في الجامعة الغريغورية بروما. انصبّ اهتمامه خلال سنوات دراسته على البحث في جذور المارونية ونشأة الكنيسة المارونية والظروف المحيطة بها. ولتدارك النقص في المراجع الأكاديمية، كرس جزءاً كبيراً من جهوده لسد هذه الثغرة وتقديم قراءة تاريخية موثقة لمسيرة الموارنة وعلاقتهم بلبنان.
عاد إلى لبنان عام 1967 بشهادة الدكتوراه، ليبدأ مسيرته التعليمية والإدارية في مؤسسات الرهبانية اللبنانية المارونية، ولعب دوراً محورياً في النهضة الأكاديمية التي شهدتها جامعة الروح القدس–الكسليك. أسس معهد التاريخ والآثار في الجامعة وتولى إدارته لعقد من الزمان، وشغل مناصب أكاديمية أخرى كعمادة كلية الآداب، مساهماً في إعداد أجيال من الطلاب والباحثين.
لم يكن التاريخ بالنسبة للأباتي نعمان مجرد سرد للأحداث الماضية، بل أداة لفهم الحاضر واستشراف المستقبل. وقد أكسبه الجمع بين البحث الأكاديمي والمشاركة المباشرة في الأحداث موقعاً فريداً، حيث كتب عن حقبة عاشها وشارك في أحداثها والتقى شخصياتها واختبر انقساماتها ومخاطرها.
في عام 1980، انتُخب الأباتي بولس نعمان رئيساً عاماً للرهبانية اللبنانية المارونية، وظل في منصبه حتى عام 1986، وهي فترة شهدت قسوة بالغة من الحرب اللبنانية. خلال تلك السنوات، تجاوز حضوره حدود الدير ليصبح فاعلاً في الشأن العام ومدافعاً عن سيادة لبنان وحريته. شارك في جهود الحوار والمصالحة بين الأطراف، مؤمناً بأن دور رجل الدين يتجاوز الوعظ ليشمل الوقوف إلى جانب الإنسان في مواجهة التهديدات التي تطال كرامته وحريته ووجوده. عُرف الأباتي نعمان بقربه من الرئيس المنتخب بشير الجميّل وعلاقاته مع شخصيات سياسية وفكرية بارزة، مع الحفاظ على دور المحاور وفتح قنوات التواصل مع شخصيات مسيحية وإسلامية وسورية في مراحل مختلفة.
حذّر نعمان في مواقفه من أزمة القيادة لدى المسيحيين وابتعادهم عن دورهم كجسر بين مكونات لبنان. وفي المقابل، رأى أن شرائح واسعة من المسلمين والدروز تبنت شعارات الحرية والاستقلال والدولة، مما يؤكد أن الدفاع عن لبنان لم يعد مسؤولية طائفة واحدة. تمحورت رؤيته حول الولاء للدولة اللبنانية وبناء نظام ديموقراطي يحمي الجميع ويمنع الاستئثار والهيمنة. كما ربط بقاء المسيحيين في لبنان بالأرض والعمل وفرص العيش، محذراً من أن الهجرة لا تنبع فقط من الاضطهاد، بل أيضاً من الأزمات الاقتصادية وغياب التنمية. واختصر ارتباط الموارنة بلبنان بقوله إن لهم "ولداً وحيداً اسمه لبنان"، مؤكداً أن الحفاظ على الهوية يتطلب تثبيت الناس في أرضهم، وإنشاء مشاريع إنتاجية في الجبل والأرياف، ومواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية.
جسّد كتاب مذكراته "الإنسان، الوطن، الحرية"، الذي وضعه بالتعاون مع الصحافي والكاتب أنطوان سعد، خلاصة تجربته الروحية والوطنية. لم يقدمه كسيرة شخصية، بل كشهادة على مرحلة حاسمة من تاريخ لبنان. أوضح نعمان عند توقيع الكتاب عام 2009 أن الكتابة كانت واجباً تجاه الأجيال المقبلة وحفظاً لذاكرة المدافعين عن لبنان. ورأى أن الإنسان والأرض والحرية قيم مترابطة شكلت التجربة اللبنانية وحمتها عبر التاريخ. تضمنت مذكراته مراجعات لمواقفه وتجربته، مستندة إلى الوثائق وشهادات المشاركين في الأحداث، وجمعت بين صدقية المؤرخ وذاكرة الشاهد الذي عاش الوقائع من الداخل. بوفاته، تفقد الرهبانية اللبنانية المارونية أحد أبرز رؤسائها السابقين، ويخسر لبنان مؤرخاً وفاعلاً وطنياً جعل من الدفاع عن الإنسان والوطن والحرية عنواناً لمسيرة امتدت لأكثر من سبعة عقود.
سياسة
اقتصاد
ثقافة
سياسة