من لبنان إلى العالم: رحلة اكتشاف الذات والوطن المفقود


هذا الخبر بعنوان "10452 إلا الأزرق والأبيض" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في عام 1961، وفي سن العشرين، غادرت لبنان للمرة الأولى متوجهاً إلى باريس، حاملاً حقيبة جلدية عتيقة وتذكرة سفر مجانية على متن طائرة شحن. كنت مفعماً بالمرارة والتمرد، ولكن أيضاً بالآمال والخيال، أحلم بأن أصبح إرنست همنغواي آخر، أكتب الشعر على الأرصفة وأنام بلا عشاء. خرجت من لبنان وأنا لا أعرف منه سوى ذكريات عابرة: مرور في صيدا، ونزهة في بساتين آل عسيران في صور، بالإضافة إلى معرفة جغرافية محدودة مثل بيروت - بتدين اللقش. لم أكن أدرك حينها أنني سأكتشف لاحقاً أنني أعرف نصف العالم، لكنني بالكاد أعرف وطني، لبنان، سوى بعض معالمه مثل "الهورس شو" وملحقاتها.
في الثالثة والعشرين من عمري، كنت قد سافرت إلى مصر وكينيا والكويت، دون أن أعي أهمية التفكير في مصير مناطق مثل سلعاتا والساحل الفينيقي وجباله. مع مرور الوقت، أدركت أن الفرصة للتعرف على بلاد الأرز كما ينبغي قد فات، واكتفينا بما قرأناه في قصائد لامارتين أو بما تخيلته الليدي هستر ستانهوب عن حكم لبنان. اليوم، تجري في لبنان مناقشات حول الموازنة، ويتردد قول لجبران باسيل في مؤتمر دافوس: "دعوا الأميركيين والبريطانيين يأتون إلينا وسوف نعلمهم كيف تدار الموازنات". لكن يبدو أن الأمر تطور إلى كيفية "طيران" الموازنات بدلاً من إدارتها.
بعد كل هذه السنوات بعيداً عن وطني، أجد نفسي كل يوم أمام درس جديد عن لبنان: زوطر، التفاح، والريحان، عطر الأرض الذي يفوح من تحت الركام. نتعلم كل يوم أسماء جديدة: قرى الحزام الأزرق وقرى الحزام الأصفر، وقرى تنتظر لتعرف أي لون سيمنحها الإسرائيليون، صفرة اللؤم أم صفرة الموت. يعلمنا الإسرائيليون أسماء بلاد لم نعرف بوجودها يوماً، ولم نفكر في أنها قد لا تكون موجودة في المستقبل.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة