اليوم الوطني السعودي: رحلة تكيف واستمرارية في مواجهة التحديات


هذا الخبر بعنوان "السعودية في عيدها الوطني... تاريخ من التكيّف والاستمرارية" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يأتي اليوم الوطني السعودي هذا العام في ظل ظروف استثنائية، حيث تضع الحرب الإقليمية والاضطرابات المستمرة دول الخليج أمام تحديات اقتصادية وأمنية ولوجستية مباشرة، مؤثرةً في حركة التجارة والطاقة والاستثمار. ولا يمكن لاقتصاد بحجم الاقتصاد السعودي وموقعه في أسواق الطاقة وفي قلب المنطقة أن يكون بمنأى عن هذه التداعيات، التي انعكست على صادرات النفط وحركة التجارة والنشاط غير النفطي. ورغم تخفيض صندوق النقد الدولي لتوقعات النمو الاقتصادي للمنطقة، أظهر الاقتصاد السعودي قدرة على التعامل مع الصدمات بفضل مرتكزاته المالية القوية وتنوع منافذ تصدير النفط وقدراته اللوجستية.
لكن النظر إلى السعودية من زاوية الأزمة وحدها يفوّت جزءاً كبيراً من الصورة. فالدول الكبيرة لا تُقاس بما تواجهه في سنة واحدة، بل بما راكمته على مدى عقود، وبقدرتها على تعديل أدواتها دون فقدان اتجاهها الأساسي. وهذه هي إحدى أهم دلالات التجربة السعودية في يومها الوطني.
لم تكن مسيرة السعودية خلال العقود الماضية خطاً مستقيماً من النمو. فقد مرت المملكة بفترات من الانخفاض الحاد في أسعار النفط، والحروب الإقليمية، والإرهاب، والأزمة المالية العالمية، ثم جائحة كورونا، وصولاً إلى الاضطرابات الحالية. وفي كل مرحلة، واجهت الدولة والاقتصاد تحديات مختلفة، بعضها فرض خفض الإنفاق، وبعضها استدعى إعادة ترتيب السياسات الاقتصادية، وبعضها غيّر الحسابات الأمنية والإقليمية. لكن ما استمر هو القدرة على إعادة التموضع والتعامل مع المتغيرات دون فقدان الاتجاه الطويل للدولة.
تنبع هذه القدرة من مرتكزات متعددة، منها: دولة متماسكة، ومؤسسات راكمت خبرة طويلة في إدارة الأزمات، وقدرات مالية واستثمارية كبيرة، وعلاقات دولية واسعة، وموقع جغرافي واقتصادي يمنح السعودية أهمية تتجاوز حجم إنتاجها النفطي. ولم تعتمد المملكة تاريخياً على أداة واحدة في التعامل مع التحولات؛ فهي تعدّل الإنفاق، وتعيد ترتيب أولويات الاستثمار، وتغيّر أدواتها الاقتصادية، وتتحرك سياسياً وفق التحولات في البيئة الإقليمية والدولية. هذه القدرة لا تمنع الخسائر أو تلغي كلفة الأزمات، لكنها تقلّل احتمال أن تتحوّل كل أزمة إلى تغيير كامل في الاتجاه.
لذلك، فإن الأثر الذي تتركه الحرب على الاقتصاد السعودي لا يشكل وحده المعيار الأهم. الأهم هو مقدار ما تغير داخل السعودية خلال السنوات الماضية، ومدى قدرة ما تحقق على الصمود أمام صدمة بهذا الحجم.
تجاوزت رؤية 2030 مجرد أهداف وخطط ومشاريع. فقد شهد العقد الماضي ظهور قطاعات اقتصادية جديدة، وزيادة في حضور السياحة والترفيه والخدمات والتقنية والصناعات الجديدة، واتساع قاعدة الاستثمار المحلي والأجنبي، ليصبح صندوق الاستثمارات العامة لاعباً مركزياً. كما تغيرت سوق العمل، وارتفعت مشاركة السعوديين في أنشطة لم تكن تستقطب الأعداد نفسها، وأصبح القطاع الخاص جزءاً أكبر من مشاريع التنمية والاستثمار.
الأهم من ذلك، أن التحول بدأ ينتج مصالح اقتصادية واجتماعية مرتبطة باستمراره. هناك شركات بنت أعمالاً في قطاعات جديدة، ومستثمرون ربطوا رؤوس أموالهم بها، وسعوديون بنوا مساراتهم المهنية فيها. وحين ينتج الإصلاح شركات ووظائف واستثمارات وخبرات ومصالح واسعة، يصبح جزءاً من بنية الاقتصاد والمجتمع. قد تتغير سرعة المسار أو يُعاد ترتيب أولويات بعض المشاريع، لكن هذا يختلف عن عكس الاتجاه الذي بدأ قبل سنوات. فالتحول الاقتصادي أصبح مرتبطاً بمصالح واستثمارات وتطلعات تدفع باتجاه استمراره.
تُعد الحرب الإيرانية مثالاً عملياً على أهمية الاستثمارات التي قامت بها السعودية. فإغلاق أو اضطراب الملاحة في مضيق هرمز كان سيشكل تهديداً أكبر بكثير لصادرات النفط في ظروف أخرى. لكن وجود خط أنابيب شرق–غرب وميناء ينبع على البحر الأحمر وفّر طريقاً بديلاً لنقل ملايين البراميل. وعندما تعرض الخط نفسه لهجمات في سبتمبر، تحركت أرامكو لإعادة توزيع الصادرات عبر موانئ الخليج ومسارات أخرى، قبل استئناف تشغيل خط شرق–غرب تدريجياً. أظهرت هذه التطورات أن البدائل لا تلغي المخاطر، لكنها توفر خيارات أوسع للدولة عندما تتعرض إحدى القنوات للاضطراب، وهذا هو المعنى العملي للمرونة الاقتصادية. فالتنويع السعودي لا يقتصر على تقليل حصة النفط في الناتج المحلي، بل يشمل الموانئ ومسارات التصدير ومصادر الدخل والاستثمارات والعلاقات الاقتصادية والقدرات التي تستطيع الدولة استخدامها عندما تتغير البيئة المحيطة بها.
ربما يكون التحول الاجتماعي أحد الجوانب الأقل حضوراً عند الحديث عن قدرة السعودية على الاستمرار. خلال السنوات الماضية، دخل جيل جديد من السعوديين إلى سوق العمل في بيئة مختلفة تماماً. توسعت مشاركة النساء، وبرزت ريادة الأعمال، ونمت قطاعات جديدة في التقنية والسياحة والترفيه والخدمات والصناعة. هذا الجيل لم يعد ينتظر فقط ما تقوم به الدولة؛ بل أصبح جزءاً من الشركات والمشاريع والاستثمارات التي تقود التحول، وأصبحت خبراته ومصالحه المهنية مرتبطة باستمرار هذه القطاعات ونموها.
تغيرت التوقعات أيضاً. السعوديون اليوم يريدون اقتصاداً يوفر فرصاً أوسع، وقطاعاً خاصاً أكثر قدرة، ومدناً وخدمات أفضل، ومكانة أكبر للمملكة في الاقتصاد العالمي. وهذه التوقعات أصبحت جزءاً من التحول نفسه، وكلما اتسعت مشاركة المجتمع في الاقتصاد، أصبح استمرار الإصلاح أكثر ارتباطاً بالطلب الداخلي على الفرص والنمو.
ستخرج المنطقة من حرب إيران مختلفة على الأرجح عما كانت قبلها. ستُعاد مناقشة أمن الخليج، وطرق التجارة والطاقة والممرات الرقمية، والعلاقات بين دول المنطقة، وربما شكل الترتيبات الأمنية والاقتصادية لسنوات مقبلة. وسيكون من الصعب تجاوز السعودية في هذه الملفات، نظراً لحجم اقتصادها، وموقعها في أسواق الطاقة، وقدرتها الاستثمارية، وموقعها الجغرافي، وثقلها السياسي العربي والإسلامي والدولي. وهذا يمنح المملكة هامشاً واسعاً للحركة في بيئة إقليمية ودولية سريعة التغير. ومن هنا، يصبح دور السعودية مرتبطاً بما هو أكبر من إدارة تداعيات حرب قائمة؛ بل يتصل بموقعها في صياغة ما سيأتي بعدها، وقدرتها على تحويل ثقلها الاقتصادي والسياسي إلى عنصر في بناء ترتيبات أكثر استقراراً في المنطقة.
اليوم الوطني مناسبة للنظر إلى ما تم تحقيقه، ولكنه أيضاً مناسبة للنظر إلى ما يجعل دولة ما قادرة على التكيف عندما تصبح الظروف أكثر صعوبة. السعودية لا تواجه اليوم ظرفاً سهلاً، وقد تفرض التطورات إعادة ترتيب الأولويات والجداول الزمنية لبعض المشاريع. لكن السعودية التي تواجه هذه التحديات ليست السعودية نفسها التي واجهت أزمات النفط والحروب الإقليمية قبل عقود. أصبحت قاعدة الاقتصاد أوسع وأكثر تنوعاً، والقدرة الاستثمارية أكبر، والمجتمع أكثر انخراطاً في النشاط الاقتصادي، والدولة أكثر وضوحاً في تحديد ما تريد الوصول إليه.
قوة السعودية ليست في أنها لا تواجه الأزمات، بل في أنها بنت على مدى تاريخها قدرة على التعامل والتكيف معها، وإعادة ترتيب الأولويات والاستعداد لما يليها. ولهذا، فإن حرباً أو أزمة أو دورة اقتصادية يمكن أن تغير الحسابات، وتبطئ بعض المشاريع، وتفرض أولويات جديدة. لكنها تواجه في كل مرة دولة تنطلق من قاعدة أكثر رسوخاً وقدرة على التكيف.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد