لبنان

جيل زد والتحرش: كسر حاجز الصمت لمواجهة الأزمة القانونية والاجتماعية

النهار١٤ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٩:٥٤ ص0 مشاهدة
جيل زد والتحرش: كسر حاجز الصمت لمواجهة الأزمة القانونية والاجتماعية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "Gen Z وصدمة التحرّش: صمت على محكّ الوعي والقانون" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ أيلول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

التحرش ليس مجرد اعتداء عابر، بل هو صدمة قد تمتد آثارها لسنوات، حيث يمثل كسر الصمت واستعادة الأمان معركة تبدأ بالوعي وتنتهي بالحماية. إن كسر الصمت هو الخطوة الأولى نحو الحماية.

تتسبب الكوارث الطبيعية ك الزلازل والحرائق والنيازك في دمار هائل، لكن الكارثة الأشد ظلماً هي ما يرتكبه المتحرش ببراءة طفل أو مراهق أو بالغ، فيقتلع أمانه تدريجياً. عندما تأتي الطعنة من شخص موثوق به أو من غريب يستغل الضعف، يتضاعف الألم وتتسلل مشاعر الذنب والانطواء، تاركة الضحية وحدها في صراع خفي مع المحظور.

تؤكد بيانات المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض (CDC) أن واحداً من كل عشرة من جيل زد (المولودين بين 1997 و2012) يعاني من العنف العاطفي أو الجنسي. هذا يثبت أن هذه المأساة ليست مجرد حالات فردية، بل هي أزمات تغذيها وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت بيئة خصبة للمضايقات الرقمية والابتزاز العاطفي وتطبيع ثقافة التحرش.

غالباً ما يواجه هذا الجيل صدمة التجمّد والرضوخ، مما يثير تساؤلات حول ما إذا كان الصمت أو المسايرة تعني الموافقة. توضح الاختصاصية في علم النفس والإرشاد المدرسي، كريستينا الحاموش، أن الإجابة العلمية والنفسية قاطعة: لا، فهذا لا يعني الموافقة أبداً. وتشرح أن الشعور بالضعف أمام شخص أقوى جسدياً ونفسياً قد يدفع الضحية إلى محاولة مسايرة الموقف كاستراتيجية دفاعية لتخفيف الأذى وتجنب تفاقم الخطر، قبل أن تستجمع طاقتها لوقف ما يحدث. قد تلتزم الضحية الصمت خوفاً من عدم تصديقها، ثم تدخل في دوامة جلد الذات، بينما يظل الأمر مسكوتاً عنه.

اضطرابات الهوية وغياب الاكتفاء الذاتي:

يخلف تكرار التعرض للتحرش آثاراً نفسية عميقة تمس ثقة الضحية بذاتها وقدرتها على تجاوز الصدمة. تشرح الحاموش أن الآثار النفسية قد تمتد لتشمل تحولاً في الميول الجنسية وفقدان الرغبة بالجنس الآخر نتيجة فقدان الإحساس بالأمان. قد يستغرق استعادة الثقة بالآخرين وقتاً طويلاً، وقد تستمر آثار الصدمة حتى بعد الزواج لتنعكس على الاستقرار العاطفي والحياة الزوجية.

علامات الإنذار المبكر:

غالباً ما يستخدم المتحرش لغة جسد واضحة كالمفترس. قد لا يبوح الشخص بما تعرض له، لكن الجسد والنفس يطلقان إنذارات واضحة. من أبرز العلامات التي تستوجب انتباه الأهل:

  • التغيّرات السلوكية والعادات اليومية: انقلاب جذري ومفاجئ في الطباع والعادات، مع اضطرابات حادة في الشهية.
  • الوسواس الحركي: ظهور حركات متكررة لا إرادية، تردد مفرط في دور الحمام، وغسل اليدين المتكرر.
  • الأعراض الجسدية: الخوف، القلق، اضطرابات التنفس، سرعة ضربات القلب، والشعور بالغثيان والقيء.
  • الانهيار النفسي: في حال غياب السند العائلي، قد تغرق الضحية في دوامة الاكتئاب السريري.

الوعي المتنامي وأهمية التربية الجنسية:

ترى الحاموش أن الفترة الحالية تشهد وعياً أكبر، وأن جيل زد يبدو أكثر صلابة وقدرة على المواجهة. يفرض هذا الواقع مقاربة تربوية واعية تبدأ منذ الطفولة المبكرة، عبر احترام رفض الطفل للتقبيل أو المصافحة، وتعليمه التمييز بين اللمسة الجيدة والسيئة، والانتباه إلى لغة الجسد والنظرات ومحاولات العزل.

دور الأهل والمدرسة في الحماية والوقاية:

لا يجوز إلقاء عبء التوعية بالكامل على المدارس. يجب أن تنطلق من الأسرة عبر قنوات حوار مفتوحة وشفافة، حيث يتولى الأب محاورة ابنه والأم محاورة ابنتها لترسيخ الثقة. تدعو الحاموش المدارس والجامعات إلى توفير مرشدين ومعالجين نفسيين دائمين، وإجراء اختبارات نفسية دورية. تؤكد أن التربية السليمة إلى جانب الالتزام الروحي والديني، تسهم في بناء شخصية متوازنة وقوية.

بات تحرك المجتمع بأسره حتمياً لكسر جدار الصمت والتوعية بأشكال التحرش المستحدثة إلكترونياً أو على أرض الواقع. يترافق ذلك مع ضرورة تحديث القوانين وسد ثغراتها لإنزال أشد العقوبات الرادعة. عائلياً، يبقى دور الأهل حاسماً عبر الإنصات الدائم للأبناء والانتباه إلى تعابير الوجه والاضطرابات المحيطة. يجب رفع صفة الاتهام عن الضحية والتوقف عن محاكمتها بسبب لباسها أو خياراتها الشخصية، فالمهمة تقع بالكامل على الجاني. نطالب الجمعيات بمضاعفة التوعية وكسر صمت التطبيع مع الجرائم، لا سيما بحق الفئات الأكثر هشاشة. حماية الإنسان واجب جماعي للانتقال من رد الفعل إلى الحماية. التعود على التحرش لا يجعله مقبولاً، وجريمته مهما تكررت تظل أشد هولاً من الكوارث.

شارك الخبر: