«وشم الذاكرة»: رانية البوبو تحوّل تجارب الناجين من الحروب إلى قصص مؤثرة


هذا الخبر بعنوان ""وشم الذاكرة" لرانية البوبو... حين يصبح الناجي "كلَّ الناجين"" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في مجموعتها القصصية الجديدة بعنوان "وشم الذاكرة"، تستعرض رانية البوبو خبرتها كمعالجة نفسية من خلال الأدب، لتسليط الضوء على معاناة الناجين من الحروب وتجاربهم مع الفقد وذنب البقاء. تتألف المجموعة من خمس عشرة قصة تستكشف كيف تتجاوز الحرب كونها حدثاً منتهياً لتصبح أثراً عميقاً في الجسد والذاكرة، وكيف يمكن لنجاة فرد واحد أن تمثل تجربة كل الناجين.
تبدأ المجموعة بقصة ليال، الأم التي فقدت زوجها وطفليها في الحرب. لم تجد ليال في اللغة العادية ما يعبر عن حجم مأساتها، فاستعارت منطق القانون لمحاكمة الموت: كيف رحل طفلاها، جمال (6 سنوات) ومعن (4 سنوات)، دون إذنها؟ وكيف سمح لهما الموت باتخاذ قرار أكبر من عمريهما؟ هذا السؤال الموجع هو المدخل إلى عالم "وشم الذاكرة"، حيث تتعمق رانية البوبو في التجربة الإنسانية للحرب، ليس في لحظة الموت، بل في الأثر الذي تتركه في وعي الناجين، حين يعجز العقل عن استيعاب الفقد ويبدأ في خلق منطقه الخاص لمقاومته. القصص لا تكتفي بسرد تفاصيل الحرب من قصف ودمار، بل تركز على تأثيرها النفسي بعد انتهاء دويّها: كيف تزعزع مفاهيم العائلة والبيت والنجاة، وكيف تدفع الإنسان إلى ابتكار منطق خاص لتحمل ما لا يُحتمل.
الحرب بعد انطفاء دويّها
تحتوي المجموعة على خمس عشرة قصة، منها "الشهيدة الخامسة والسبعون"، و"بياض الثلج"، و"منزلي جلدي الحجري"، و"أين وجهي"، و"ذاكرة لا ترمش"، و"الموت بكثافة"، و"البطلة الخارقة"، و"جغرافيا الجوع"، و"الزفاف"، و"قلق البيوت". تشير هذه العناوين إلى أن البوبو لا تنظر إلى الحرب كواقعة عسكرية فحسب، بل كقوة تعيد تشكيل علاقة الإنسان بجسده وبيته ووجهه وذاكرته. الحرب هنا لا تدمر المباني فحسب، بل تغير معنى الكلمات: فال بطولة تصبح عبئاً، والنجاة تهمة، والمنزل جلداً، والذاكرة عيناً لا ترمش.
من الإصغاء العلاجي إلى الكتابة
تأتي رانية البوبو إلى عالم الأدب بخبرة تمتد لأكثر من عشرين عاماً في علم النفس العيادي، حيث عملت مع ناجين من الحرب السورية والحروب اللبنانية وانفجار مرفأ بيروت. استمعت إلى الأطفال والبالغين وهم يحاولون ترميم ذواتهم. القصص مستوحاة من جلسات علاجية وتجارب واقعية، مع الحفاظ على تفاصيل قد تكشف هويات أصحابها. تكمن أهمية "وشم الذاكرة" في قدرتها على تحويل الواقع الفادح إلى أدب، والانتقال من الإصغاء العلاجي إلى الكتابة، ومن الملف النفسي إلى الشخصية الإنسانية التي تتجاوز أي تفسير. تنجح المجموعة لأنها لا تجعل المعرفة النفسية سلطة تشرح الناجين، بل خلفية صامتة تسمح لهم بالتعبير عن أنفسهم بلغتهم الخاصة، بتكرارهم وتناقضهم وارتباكهم.
من منا مات: الناجي أم الغائب؟
في إحدى القصص، تعبر ليال عن "عتب كبير" على زوجها وولديها لرحيلهم دونها. يرفض عقلها الاعتراف بالموت، ويعيد صياغته كقرار عائلي اتخذ في غيابها. لا تحاول المعالجة انتزاع هذا الوهم، بل تترك لها مساحة لبناء تفسيرها الخاص، كأن الأب أذن للأطفال بالرحيل أو لحقوا به. السؤال "أيضيع الأطفال دربهم إلى السماء؟" يعكس دور الأم الذي حُرمت منه، ورغبتها في الاطمئنان على سلامة أطفالها.
ذاكرة لا تستطيع أن ترمش
يبلغ السؤال ذروته حين تتزعزع الحدود بين الأحياء والأموات: "هل عرفوا أنهم ماتوا؟ أم أنهم يظنون أنني أنا التي متُّ، لأنني لست معهم؟ من منا الذي مات؟ أنا أم هم؟". هنا يكمن جوهر تجربة الناجي، فالنجاة قد تُعاش كانفصال عن الجماعة التي منحت الحياة معناها. البقاء وحيداً قد يكون الغياب الأشد.
"وكنتُ أنا كلَّ الناجين"
تختصر هذه العبارة المفارقة ببلاغة: لم تكن واحدة من الناجين، بل كانت وحدها جميع الناجين، كأن النجاة أصبحت حملاً لا يُطاق. جسدها خرج من الركام، لكن حياتها بقيت تحته. تتمسك بالحزن كصلة أخيرة بعائلتها، ففقدان الألم يبدو خيانة، والتعافي قد يعني موت أحبائها مرة أخرى في ذاكرتها. حتى ترتيب القبور يصبح محاولة يائسة لحماية شكل العائلة. يصبح القبر غرفة نوم أخيرة، والموت "نوماً طويلاً" لا ينقصه سوى وجودها. في هذا المشهد، لا يستعيد الخيال العائلة بقدر ما يكشف استحالة انفصال الأم عنها. عنوان الكتاب "وشم الذاكرة" يحمل معناه العميق: الوشم أثر يدخل الجلد ويصبح جزءاً من الجسد، وكذلك تفعل الحرب في شخصيات البوبو، فتتحول إلى طريقة في الإحساس بالعالم.
صرخة في وجه النسيان
تُعلن مقدمة الكتاب أن النصوص "صرخة في وجه النسيان". القيمة الأعمق للمجموعة تظهر حين تتراجع الكاتبة وتترك للشخصيات أن تربك يقيننا. أقوى صفحات "وشم الذاكرة" هي تلك التي لا تشرح الألم ولا تزينه، بل تتيح له أن يظهر في منطقه المتصدع: أطفال يحتاج موتهم إلى إذن، وأمّ تعتقد أن الغائبين يعدّونها هي الميتة، وناجية لا تريد أن تتعافى كي لا تخسر من تحب.
مساحة لا تختزل أصحابها
ثمة مسؤولية أخلاقية في تحويل تجارب علاجية إلى أدب. ما يستطيع الكاتب فعله هو أن يصنع مساحة لا تختزل أصحابها في كونهم ضحايا، ولا تعرض جراحهم للفرجة أو الشفقة. تنجح البوبو حين تحفظ لشخصياتها تناقضها وحقها في ألا تكون مفهومة تماماً، وحين تسمح للمعالجة داخلها بأن تُصغي بدلاً من التشخيص. الأدب قد لا يشفي الجراح، لكنه يستطيع أن يحول دون ابتلاعها في لغة الأرقام. ففي نشرات الأخبار يموت كثيرون وينجو واحد، أما في الأدب، فقد تقف امرأة وحيدة أمام موت زوجها وطفليها، وتقول جملة تجعل معنى النجاة كله موضع شك: "وكنتُ أنا كلَّ الناجين".
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة