عزمي بشارة يعيد تعريف الهوية: من الانتماء الفردي إلى الإنتاج السياسي للدولة


هذا الخبر بعنوان "حوار فكري مع عزمي بشارة: من الهوية إلى إنتاجها السياسي" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تكشف العقود الثلاثة الأخيرة عن مفارقة كبرى: فبدلاً من أن يتجه العالم نحو تجاوز الهويات كما بشرت سرديات ما بعد الحرب الباردة، عاد العالم لإعادة اكتشافها. فبينما افترضت اتجاهات واسعة في الفكر السياسي والعلاقات الدولية أن العولمة والاعتماد الاقتصادي المتبادل واتساع شبكات الاتصال ستقلل من أهمية الانتماءات الجماعية، عادت القوميات والذاكرات التاريخية والسرديات الحضارية لتحتل موقعًا متقدمًا في السياسة العالمية. إلا أن هذا التحول لا يعني الانتقال من اختزال السياسة في المصلحة القومية إلى اختزالها في الهوية الوطنية. فكما بالغت الواقعية الكلاسيكية في رد السلوك السياسي إلى القوة والمصلحة وأغفلت الأبعاد الثقافية والهوياتية، تميل بعض القراءات المعاصرة إلى الوقوع في الاختزال المعاكس، عبر التعامل مع الهوية وكأنها المفتاح التفسيري الشامل لأزمات العالم المعاصر. تفترض تلك القراءات ضمنًا أن الجماعات والدول تمتلك هويات سابقة على السياسة، وأن هذه الهويات تفسر سلوكها بدل أن تكون هي نفسها موضعًا للصراع وإعادة الإنتاج.
انطلاقاً مما سبق، يصبح الحوار النظري مع عزمي بشارة مهمًا، ليس لأنه يقدم نظرية جديدة في العلاقات الدولية، بل لأنه يفرض قيودًا نظرية صارمة على الاستخدام الفضفاض لمفهوم الهوية نفسه. في دراسته "تأملات في مسألة الهوية" (2022)، ثم في كتابه اللاحق "مسألة الهوية" (2026)، يطور عزمي بشارة مقاربة للهوية تنأى بها عن الجوهرانية من جهة، وعن التوسع التفسيري المفرط من جهة أخرى. ولذلك يحذر من أحد "منزلقات" البحث في الهوية، والمتمثل في توسيع نطاقها التفسيري إلى حد يحجب العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الأخرى. فليست كل أزمة دولة أزمة هوية، كما أن هشاشة الدول أو اضطراب المجتمعات لا يمكن ردها تلقائيًا إلى أزمة انتماء أو اعتراف.
يميز بشارة تمييزًا حاسمًا بين الانتماء والتصنيف: أن يُصنَّف الفرد ضمن جماعة لا يعني بالضرورة أن هذا التصنيف أصبح جزءًا من وعيه بذاته أو عنصرًا في تعريفه لنفسه. فالهوية، في معناها التحليلي لا تُختزل في ما يقوله الآخرون عنا، بل تتعين في الكيفية التي يتحول بها الانتماء إلى جزء من فهمنا لأنفسنا. تكمن أهمية هذا التعريف في أنه يُخرج الهوية من دائرة البديهيات، فالهويات لا توجد كحقائق مستقلة عن البشر الذين يتبنونها. ولذلك يصر بشارة على أن "نحن" ليست ذاتًا جماعية قائمة بذاتها، بل تعبير عن اشتراك ذوات فردية في انتماء ما. ويعتبر أن الأمة ليست ذاتًا فوق الأفراد، ولا الشعب عقلًا جماعيًا يفكر خارجهم. وهنا تكمن إحدى أكثر مساهمات بشارة النظرية أهمية؛ لأنها تمنع تحويل الجماعات إلى كيانات ميتافيزيقية تتصرف خارج التاريخ وخارج السياسة.
غير أن هذا التعريف يفتح أسئلة تتجاوز الحقل الذي طُوّر فيه أصلًا. فإذا كانت الهوية مرتبطة بوعي الذات بانتمائها، وإذا كانت "نحن" لا تشكل ذاتًا مستقلة عن الأفراد، فكيف يمكن لنا الحديث عن مفاهيم من قبيل "هوية الدولة" أو "كرامة الدولة" أو "شعور الدولة بالإذلال"؟ في العقود الأخيرة، تعامل جزء مهم من أدبيات العلاقات الدولية، ولا سيما المقاربات البنائية منذ ألكسندر وندت، مع الدول بوصفها فواعل اجتماعية وسياسية تتشكل هوياتها وأدوارها تفاعليًا، وتؤثر هذه الهويات والأدوار في تعريف مصالحها وسلوكها. غير أن مقاربة بشارة للهوية تفتح أسئلة إضافية حول هذا الاستخدام التحليلي نفسه. هذا لا يعني أن المقاربات البنائية تفترض وعيًا فرديًا للدولة بالمعنى النفسي، بل إن السؤال هو ما إذا كان الانتقال من هوية الأفراد إلى "هوية الدولة" يحافظ على الشروط المفهومية نفسها التي تجعل الحديث عن الهوية ممكنًا أصلًا. وعليه، وإذا كانت الهوية، وفق هذا التصور، مشروطة بوعي الذات بانتمائها، فإن إسناد هوية إلى الدولة يقتضي التساؤل عن طبيعة الفاعل الذي تُنسب إليه هذه الهوية، وعن الكيفية التي تُنتَج بها التعريفات المقدَّمة بوصفها "هوية وطنية"، وعن القوى والفاعلين الذين ينجحون في تعميمها وتقديم أنفسهم ممثلين لها. وعندئذ لا يعود السؤال مقتصرًا على ماهية هوية الدولة، بل يمتد إلى الكيفية التي تُبنى بها هذه الهوية، ومن يملك القدرة على تعريفها بوصفها هوية وطنية، وكيف تكتسب هذه التعريفات شرعيتها بوصفها تعريفًا وطنيًا مشروعًا.
وتفضي تلك المقدمات إلى مجموعة من الأسئلة النظرية التي لا تقع في صلب مشروع بشارة، لكنها تنبثق منطقيًا من مقدماته. فالدولة ليست فردًا كبيرًا، وليست ذاتًا جماعية بالمعنى الذي ينفيه بشارة نفسه، ولا حتى ذاتًا موحدة بالمعنى الذي يسمح بإسقاط مفاهيم الوعي والانتماء عليها بصورة مباشرة. وفي نصه، يذهب بشارة صراحة إلى أن نسبة الهوية إلى المؤسسات والدولة والشعوب لا تكون إلا "بالمعنى المجازي المستعار من استخدام اللفظ في الحياة اليومية" عندما يُقصد بها تعريف أو تصنيف يضفي على الكيان صفات يُنظر إليها بوصفها جوهرية. وفي هذا السياق، حين يجري الحديث عن إهانة روسيا، أو استعادة الصين لمكانتها، أو عقدة الذاكرة التركية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه: من الذي يشعر فعلًا بهذه الإهانة أو الحاجة إلى الاعتراف؟ هل هي الدولة بوصفها جهازًا؟ أم النخب الحاكمة؟ أم جماعات اجتماعية بعينها؟ أم خطاب سياسي ينجح في تقديم نفسه ممثلًا للجماعة الوطنية؟ إذاً، الدولة ليست فقط حاملة لهوية، بل ساحة لإنتاجها وتحديد حدودها وإعادة ترتيبها، كما أنها جهاز قادر على منح بعض تعريفات الانتماء شرعية مؤسسية، وعلى تهميش تعريفات أخرى.
ولعل إحدى النتائج النظرية غير المستثمرة بالكامل في كتابات بشارة أنه يدفعنا إلى الانتقال من سؤال "ما الهوية؟" إلى سؤال "كيف تُنتَج سياسيًا؟". فبمجرد رفض التعامل مع الهوية بوصفها معطى جاهزًا أو جوهرًا ثابتًا، يصبح من الضروري تتبع المسارات والمؤسسات والقوى التي تمنح بعض تعريفات الانتماء قدرة على التعميم والتمثيل. عملياً، لا تظهر الهوية الوطنية من فراغ، بل تمر عبر وسائط من المؤسسات والتعليم والإعلام والذاكرة العامة والرموز والنخب السياسية والثقافية. وما يُقدَّم أحيانًا باعتباره "هوية وطنية" ليس سوى نتيجة مؤقتة لتوازنات اجتماعية وسياسية نجحت فيها سردية معينة في فرض نفسها بوصفها التعبير المشروع عن الجماعة. وهنا تعود مسألة القوة إلى الواجهة، لا باعتبارها نقيضًا للهوية، بل بوصفها أحد الشروط التي تحدد أي الهويات ينجح في التحول إلى تعريف سياسي مشروع في فترة زمنية معنية. وتفضي هذه الخلاصة إلى سؤال موازٍ للسؤال الذي شغل أدبيات الهوية طويلًا: فإلى جانب التساؤل عما تفعله الهوية بالسياسة، يبرز التساؤل عما تفعله السياسة بالهوية نفسها. فالهويات ليست مجرد موارد تعبئة تستخدمها القوى السياسية، وإنما هي أيضًا نتاج لعمليات تعبئة وصراع وإنتاج معنى. أي أن النخب لا تستثمر الانتماءات القائمة فحسب، بل تعيد تعريفها وترتيبها وتحديد ما يدخل في "نحن" وما يُدفع إلى موقع "الآخر". لذلك لا يكفي القول إن روسيا تتحرك انطلاقًا من تصورها لدورها التاريخي ومكانتها الدولية، أو إن الصين تسعى إلى استعادة مكانتها الحضارية. فهذه العبارات تفترض أن الهوية قائمة سلفًا بوصفها مصدرًا مباشرًا للسلوك السياسي. أما المهمة التحليلية الأكثر صعوبة فتتمثل في فهم الكيفية التي جرى من خلالها إنتاج هذه الهوية وترسيخها ومأسستها، ومن يملك حق تعريفها، وكيف تتحول إلى مصدر شرعية للفعل السياسي.
هنا يتجاوز الحوار مع بشارة مسألة الهوية ذاتها ليصل إلى قلب السياسة نفسها. فالهوية ليست بديلًا عن القوة، كما أن القوة ليست بديلًا عن الهوية. الأولى تمنح الثانية المعنى والشرعية والقدرة على التعبئة، فيما تسهم الثانية في تحديد أي الهويات تصبح مرئية وأيها يُهمَّش، وأي السرديات تتحول إلى روايات وطنية رسمية وأيها يُدفع إلى الهامش. ومن هذه الزاوية، لا تكمن أهمية مشروع عزمي بشارة في تقديم تفسير جاهز للسياسة الدولية، بل في توفير جهاز مفاهيمي يسمح بإعادة النظر في بعض المسلمات التي يقوم عليها توظيف مفهوم الهوية في التحليل السياسي. أي بمعنى أنه لا يعود السؤال الأكثر أهمية: هل تكفي الهوية لفهم السياسة الدولية؟ بل يصبح: كيف تتحول بعض الانتماءات إلى هويات قابلة للتمثيل السياسي؟ وكيف تنتج علاقات القوة الهويات التي تدّعي لاحقًا أنها تفسرها؟ وعند هذه النقطة تحديدًا يصبح الحوار مع بشارة منتجًا، لا لأنه ينتهي إلى تبني أطروحاته، بل لأنه يفتح بابًا لمساءلة العلاقة الملتبسة بين الانتماء والسلطة، وبين الاعتراف والقوة، وبين إنتاج الهوية وإنتاج الجيوبوليتيك ذاته. وربما تكمن القيمة الأبعد لهذا الحوار في أنه لا ينتهي عند حدود مفهوم الهوية نفسه. فكلما ازداد المفهوم دقة في الحقل الذي نشأ فيه، ازدادت أهمية اختبار شروط انتقاله إلى حقول أخرى. وبالتالي، لا تتمثل مساهمة بشارة في الأجوبة التي يقدمها والفجوة المفاهيمية التي يسدها فحسب، بل أيضًا في الأسئلة التي يتيح طرحها خارج مجال اشتغاله الأصلي. وهكذا يبدأ الحوار الفكري الحقيقي: لا حين تُستعار المفاهيم كما هي، بل حين تُؤخذ بجدية كافية لإنتاج أسئلة جديدة انطلاقًا منها.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة