لبنان
ثقافة

ميثاق العبور وشهادة الخلاص الأخير: قراءة سيميائية لغلاف كتاب د. محمد إقبال حرب

النهار١٤ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٧:٥٠ ص0 مشاهدة
ميثاق العبور وشهادة الخلاص الأخير: قراءة سيميائية لغلاف كتاب د. محمد إقبال حرب

تنويه

هذا الخبر بعنوان "ميثاق العبور وشهادة الخلاص الأخير" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

يتناول هذا المقال قراءة سيميائية وتأويلية لغلاف كتاب الدكتور محمد إقبال حرب، بعنوان "آخرُ المُنْجِيات"، بقلم سناء يحفوفي. يبدأ المقال بالإشارة إلى أن العنوان، في علم السيميائيات، هو بؤرة تتكثف فيها المادة الأدبية، ويعمل كمرآة تعكس ما في الصفحات. وفي هذا الكتاب، يمثل العنوان "ميثاق عبور" و"عتبة حية" تضيء على الظلام الوجودي، مستخدمة اللغة والصورة كأدوات للتأثير.

يستدعي غلاف الكتاب فكرة الخلاص في واقع إنساني متصدع، مستلهماً شغف الأدبيات الوجودية والروحانية، ومؤكداً على أن البحث عن السلام هو ممارسة أخلاقية وجمالية، مستحضراً فكر ألبير كامو في التضامن الإنساني كملاذ وحيد وسط عبثية العالم. يتضافر النص اللغوي، بصرامته التركيبية وحمولته التراثية، مع النص البصري المستلهم من الأساطير وذاكرة الأيادي الأولى، ليصبح الغلاف مفتاحاً لما يحمله الكتاب من طبقات الذاكرة والزمن.

يتساءل المقال عن كيفية تحول عتبة الكتاب إلى صرخة مشفرة تستشرف الهاوية وتلتمس النجاة، وكيف تتشابك العلامة النصية مع الأيقونة البصرية لتشكيل "البيان الأخير" للعمل. يحلل المقال مفهوم "عتبة الكتاب" من منظور الناقد الفرنسي جيرار جينيت، معتبراً العنوان عنصراً محيطياً يمنح النص هويته ويوجه القراءة.

يتكثف العنوان "آخر المُنْجِيات" في ثنائية لغوية قوية؛ فكلمة "آخر" توحي بالحسم والانقطاع، وتعلن عن "اللحظة الحادة" التي تقف فيها الروح على حافة الهاوية. أما صيغة الجمع المؤنث السالم في "المُنْجِيات"، فتتجاوز معنى الإنقاذ المادي إلى أبعاد تطهيرية ترتبط بالفضائل الخالدة، لاستعادة جوهر الإنسانية. يفتح المؤلف المعنى على قيم ومحاولات استثنائية تبقي على جوهر الإنسان في لحظة التصدع، حيث تضغط كلمة "آخر" الزمن إلى أقصى درجات الحرج، بينما تفضي "المُنْجِيات" إلى رحابة الخلاص، لتصبح النجاة هي الموقف الأخلاقي الأخير الذي يحفظ القيم من التبدد.

تتشابك البنية البصرية للوحة الغلاف مع البنية النصية، لتصبح اللوحة نصاً موازياً يفيض بالدلالة. تظهر رموز الأيادي المرفوعة كدعوة لرفع وعاء المودة والعطاء، واستحضار الإنسانية القديمة. ويرتبط الوعاء بفعل العطاء واستسقاء الرحمة، داعياً إلى الانفلات من ثقل المادة وتلمس الرحمة الإلهية. أما أيقونة "الميزان" في الخلفية، فتتكامل مع سلال الثمار والأواني، لتمثل تقابل حركة "التقديم والقرابين" مع الحساب والعدالة الرحيمة، مؤكدة أن النجاة هي حصاد ما يضعه الإنسان في ميزان الحق والقيمة.

تستحضر الألوان الترابية والحجرية بعداً أسطورياً يعيد الإنسان إلى طينته الأولى، ويتسع معنى الخلاص ليشمل قانوناً إنسانياً أزلياً. يتآزر المشهد البصري مع العتبة اللغوية لصياغة وعد تأويلي يسبق قراءة الكتاب، حيث يشي الجمع بين الحسم في "آخر" والاتساع الروحي في "المُنْجِيات" بقلق إنساني تجاه لحظة فارقة. يمكن قراءة اللوحة كإيماءة حفر أركيولوجي في ذاكرة الروح، تستعيد قيم التعاضد والتسامي لتكون سداً في وجه الجفاف الراهن.

يعد الدكتور محمد إقبال حرب بمحمول فكري وفلسفي يلامس الأزمات الإنسانية، محثاً المتلقي على البحث عن "القشة" التي تصون إنسانيته. ويقودنا في امتداده السردي إلى قصص تخوض فيها الشخصيات اختباراتها المصيرية، لتلمس التطهير النفسي قبل الانزلاق الكبير. يستمد هذا التوقع مشروعيته من اقتران العنوان باللوحة التي تضرب في أعماقها التضرع والرجاء، والإنسان وما يقدمه في لحظة مصير، والميزان والحساب.

يبزغ هذا العمل كمقاربة رؤيوية تعيد الاعتبار للقيم التي دهستها حداثة الاستهلاك، فتحول المحبة والوفاء والعطاء إلى أطواق نجاة للمجتمعات المعاصرة. وينصهر الفعل الإبداعي بذات المؤلف، ليتحول الكتاب إلى وعاء رمزي يمارس طقوس التجلي مفتوحاً على سؤال الخلاص، مؤكداً أن الكلمة الصادقة والموقف الأخلاقي الصريح هما "آخرُ المُنْجِيات". يضعنا الغلاف أمام إنذار خافت، متسائلاً عن المنجيات المتبقية للإنسان حين تضيق به السبل، وعن القيمة التي تعبر به من عتبة السقوط إلى ضفاف الخلاص. إنه إنذار أخير للمجتمع، يضعه أمام اختبار حاد: إما التشبث بنور الفضيلة، أو الانسحاق في عتمة الهاوية.

شارك الخبر: