المجلس الدستوري وقانون العفو العام: هل تجاوزت الرقابة صلاحيات التشريع؟


هذا الخبر بعنوان "قرار المجلس الدستوري في قانون العفو العام: رقابة دستورية أم إعادة تشريع؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يثير قرار المجلس الدستوري اللبناني رقم ١٢/٢٠٢٦، الصادر في ١٢ تشرين الأول ٢٠٢٦، بشأن القانون رقم ٧٠ تاريخ ٤ أيلول ٢٠٢٦ المتعلق بالعفو العام، نقاشاً معمقاً يتجاوز مضمون العفو نفسه ليطرح سؤالاً جوهرياً حول حدود صلاحيات القضاء الدستوري في تفسير القانون وحدود صلاحيات مجلس النواب في التشريع. فبينما يملك المجلس الدستوري، بموجب المادة ١٩ من الدستور، صلاحية مراقبة دستورية القوانين، وتستلزم هذه المراقبة تفسير النصوص المعروضة عليه، فإن اللجوء إلى التحفظات التفسيرية، المعتمدة في القضاء الدستوري المقارن، لا يثير اعتراضاً بحد ذاته. إلا أن الإشكالية تبرز عندما يتحول التفسير من تحديد معنى النص إلى إضافة أحكام واستثناءات لم يتضمنها القانون، مما يثير تساؤلاً جدياً حول احترام مبدأ الفصل بين السلطات.
تتمثل أبرز نقاط الضعف في القرار في احترام الأصول الدستورية للتشريع. فعلى الرغم من إقرار المجلس بأهمية القواعد التي تنظم التصويت في مجلس النواب، إلا أنه ردّ الطعن المتعلق بالمادة 36 من الدستور، مستنداً في جزء من تعليله إلى عدم تدوين الاعتراض على طريقة التصويت في المحضر الرسمي، رغم الإشارة إلى اعتراض النائبة حليمة القعقور المثبت في التسجيل الصوتي للجلسة. وهنا يبرز سؤال هام: هل يتوقف احترام قاعدة دستورية آمرة على اعتراض أحد النواب وتدوين اعتراضه؟ إن عدم إثبات الاعتراض في المحضر لا ينبغي أن يحجب حقيقة ما جرى، خاصة إذا كان التسجيل الصوتي معتمداً للتحقق من إجراءات الجلسة. وكان هذا الجانب يستحق تعليلاً أكثر إحكاماً يوضح كيف يمكن الإقرار بجوهرية القاعدة الدستورية دون ترتيب الأثر القانوني المناسب على مخالفتها.
تتضح الإشكالية أكثر في التحفظ المتعلق بجرائم الفساد، حيث وسّع المجلس نطاق الاستثناء من العفو ليشمل جرائم الفساد المنصوص عليها في القوانين اللبنانية والاتفاقيات الدولية، في القطاعين العام والخاص، وجميع المتورطين فيها. ورغم أهمية مكافحة الفساد ومنع الإفلات من العقاب، فإن سلامة الغاية لا تحسم مشروعية الوسيلة. فإذا كان المشترع قد حدد الجرائم المستثناة، فهل يجوز للمجلس أن يضيف إليها فئات أخرى تحت عنوان التفسير؟ إن الاستناد إلى مبدأ المساواة والالتزامات الدولية لا يعفي من ضرورة التحقق من أن الاستثناء الجديد يجد أساساً معقولاً في النص، وإلا أصبح التحفظ التفسيري وسيلة لإعادة رسم نطاق القانون، لا لمراقبة دستوريته.
ينطبق تساؤل مماثل، وإن بدرجات متفاوتة، على استثناء جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والتعذيب والإخفاء القسري. فحماية حقوق الضحايا ومواجهة الجرائم الجسيمة غايتان أساسيتان، لكن تطبيق الاستثناءات يقتضي تحديداً قانونياً واضحاً للأفعال المشمولة بها. ولا تكفي الإحالة العامة إلى القانون الدولي إذا كانت النتيجة إنشاء نطاق جديد للعفو أو الاستثناء منه، دون سند تشريعي واضح. فالقاضي الدستوري، مهما بلغت أهمية الاعتبارات الحقوقية التي يستند إليها، يبقى ملزماً بحدود اختصاصه.
أما معالجة أوضاع المحكومين الذين كانت عقوبتهم الإعدام قبل إلغائها، فقد أثارت إشكالية أخرى تتعلق بالشرعية الجزائية والقانون الأصلح للمحكوم عليه. إذ قرر المجلس إخضاعهم لمدة 28 سنة سجنية بدلاً من 17 سنة، انطلاقاً من التدرج الذي رأى أن المشترع أراده بين العقوبات. ويمكن تفهم هذا المنطق، لكن يبقى السؤال: هل يجوز معالجة نقص تشريعي بإقرار نتيجة أشد على فئة من المحكومين، أم كان يتعين على المشترع أن يحسم المسألة صراحة؟ إن خطورة الأثر العقابي تفرض حذراً أكبر في التفسير، لا سيما عندما تتداخل أحكام قانونين متعاقبين.
المشكلة الأساسية في القرار، إذاً، ليست في استخدام التحفظات التفسيرية، بل في حدود استخدامها. فالمجلس يملك تفسير القانون بالقدر الضروري للتحقق من دستوريته، ويملك حق إبطال النص المخالف للدستور، لكنه لا يملك أن يحل محل المشترع في استكمال ما أغفله أو تعديل الخيارات التي اتخذها. إن المحافظة على قانون العفو وتفادي إبطاله كلياً قد تكون لها اعتبارات إنسانية واجتماعية مشروعة، لكنها لا يجوز أن تتحول إلى معيار يتقدم على مقتضيات الرقابة الدستورية. فحماية الدستور لا تتحقق بتصحيح القانون بأي وسيلة، بل بإلزام السلطات جميعها بحدود صلاحياتها. ويبقى السؤال الذي يفرضه القرار رقم ١٢/٢٠٢٦: لماذا تجاوز المجلس في بعض المواضيع حدود الرقابة إلى إعادة صياغة التشريع؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا تنتقص من مكانة المجلس، بل تؤكد أن شرعية القضاء الدستوري وقوته تكمنان، قبل كل شيء، في استقلاليته والتزامه بالحدود التي يرسمها الدستور لاختصاصه. - أستاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة