لبنان
سياسة

أمريكا والعالم على مفترق طرق: هل يتفكك النظام الدولي؟

المدن١٥ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٠:٠٤ م0 مشاهدة
أمريكا والعالم على مفترق طرق: هل يتفكك النظام الدولي؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "حين تهتز الضمانة: أميركا والعالم على حافة إعادة التأسيس" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

أثار إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عزمه على تخفيف القيود على تصدير الديزل الروسي، ومطالبته أوكرانيا بوقف هجماتها على هذا القطاع الحيوي، صدمة عميقة في العلاقات الدولية كما عرفناها بعد الحرب الباردة. هذا الإعلان يكشف عن خلل خطير ينذر بانفجار العلاقات الدولية إذا لم يتم تدارك الأمر. يبدو أن هذا الإعلان يأتي في سياق سياسات أمريكية سابقة، مما يوضح اتساع الهوة بين الحلفاء والخصوم. إن إنكار مخاطر هذه السياسات أو انتظار تلاشيها التلقائي، أو انتظار انتقال سلس للسلطة في أمريكا أو أوروبا، يعد مقامرة خطيرة قد تكون نتائجها كارثية.

العلاقة بين الولايات المتحدة والعالم تشهد مفارقات صارخة وخطيرة. فالعالم يريد أمريكا قوية لحماية النظام الدولي، لكنه لا يريد دائمًا الاعتراف بأن هذه القوة تخدم مصالحها الخاصة وشعبها. يريد العالم أمريكا التي تضمن أمن الممرات البحرية، واستقرار الأسواق، وتدفق الطاقة، وتوازن القوى. يريدها أن تتدخل عند تعرض مصالحه للخطر، وأن تردع خصومه، وأن تتحمل جزءًا كبيرًا من تكلفة النظام الدولي الذي يستفيد منه الجميع. لكنه يعترض عندما تطلب أمريكا مقابلًا، أو تعيد حساب التزاماتها، أو تقرر أن بعض المخاطر لم تعد تستحق تكلفتها.

في المقابل، تسعى الولايات المتحدة إلى استعادة حريتها في التصرف بعلاقاتها الدولية. لا تريد أن تظل أسيرة التزامات نشأت في ظروف لم تعد قائمة، ولا أن تتحمل وحدها أعباء ترتيبات لا يلتزم بها شركاؤها بشكل كافٍ. كما تريد استخدام تفوقها الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري لتحسين شروط بقائها في موقع القوة الأولى. لا يوجد ما يثير الاستغراب في مطالب أي طرف. فمن حق أمريكا التفكير في مصالحها كدولة، ومن حق الدول الأخرى التفكير في مصالحها.

تبدأ المشكلة عندما يتحول هذا الحق إلى تصور للعالم لا يرى فيه الطرف الأقوى سوى مجموعة من الأطراف التي يجب تعديل سلوكها بالضغط، ولا يرى فيه الطرف الأضعف سوى قوة يفترض أن تستمر في حمايته دون مراعاة مخاوفه. لا يشترط أن تكون الولايات المتحدة دولة خيّرة ليؤدي وجودها دورًا في استقرار العالم، ولا يشترط أن تكون الدول المستفيدة مدينة لها بالطاعة. لكن استمرار العلاقة يقتضي اعتراف كل طرف بأن مصالح الآخر ليست تفصيلاً يمكن حذفه من الحسابات.

اليوم، تنفجر هذه المفارقات بصورة مذهلة، مما يجعل العلاقة الأمريكية بالعالم أقل قدرة على احتوائه كما في المراحل السابقة. فالولايات المتحدة تريد التخلص من بعض أعباء النظام الذي قادته دون التخلي عن امتيازاته. والعالم يريد التحرر من بعض القيود التي فرضها الاعتماد عليها دون خسارة الضمانات التي جعلت هذا الاعتماد ممكنًا. رغم وجاهة الهواجس التي ينطلق منها الجميع، فإن اجتماع هذه المفارقات يفتح احتمالًا خطيرًا لتفكك العلاقة قبل الاتفاق على بديل.

حين تصبح الحماية عقدًا تجاريًا:

لم يكن النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية مجرد ترتيب عسكري. بل كان شبكة من المصالح الاقتصادية والمالية والتجارية، ارتبطت فيها القوة الأمريكية بتدفق رأس المال والتكنولوجيا والطاقة، وبضمانات أمنية سمحت لدول كثيرة بتوجيه مواردها نحو التنمية والصناعة والرفاه الاجتماعي بدلًا من تخصيصها للدفاع. لم تكن هذه المنظومة متكافئة، فقد احتفظت الولايات المتحدة بامتيازات واسعة واستخدمت العقوبات والقوة العسكرية لفرض خياراتها. كما دفعت دول كثيرة أثمانًا باهظة نتيجة التدخلات الأمريكية، ولم تكن المنافع موزعة بالتساوي. لكن اختلال العلاقة لم يمنعها من إنتاج قدر من الاستقرار.

استطاعت الولايات المتحدة أن تجمع بين الدفاع عن مصالحها الخاصة وتوفير شروط عامة استفادت منها دول أخرى. لم يكن عليها أن تتخلى عن تفوقها لازدهار حلفائها، ولم يكن على هؤلاء أن يصبحوا تابعين لها لينتفعوا بالمظلة الأمنية والاقتصادية. هذه المعادلة تتعرض اليوم للاهتزاز من الطرفين.

واشنطن تريد من حلفائها أن يدفعوا أكثر، وأن يشتروا أكثر من صناعاتها، وأن يعيدوا النظر في علاقاتهم التجارية والأمنية بما يخدم المصالح الأمريكية بصورة أوضح. وهي تستخدم الرسوم الجمركية والتهديدات الأمنية والحوافز الاستثمارية لتعديل سلوكهم. قد تكون بعض هذه المطالب تصحيحًا لاختلالات قديمة، لكن هناك فرقًا بين مطالبة الحلفاء بتحمل نصيب أكبر من مسؤولياتهم، وبين التعامل معهم كما لو أن وجودهم في المنظومة يمنح الولايات المتحدة حق إعادة تسعير كل التزاماتها تجاههم.

فالحماية التي تتحول إلى عقد قابل لإعادة التفاوض في أي لحظة تفقد شيئًا من طبيعتها كضمانة. وإذا لم يعد الحليف قادرًا على معرفة ما إذا كانت التزاماته المتبادلة ستصمد أمام أول خلاف تجاري أو سياسي، فسيبدأ بالبحث عن بدائل، حتى لو كانت أقل كفاءة وأكثر كلفة. سعي الولايات المتحدة إلى تخفيض كلفة حماية النظام قد يرفع كلفة استمراره. فكلما ازدادت الضغوط التي تستخدمها لإجبار الآخرين على مراعاة مصالحها، ازدادت دوافعهم إلى تقليص اعتمادهم عليها. وكلما حاولت تحويل التفوق إلى وسيلة لانتزاع تنازلات فورية، ازدادت احتمالات أن يستثمر الآخرون مواردهم في بناء خيارات لا تخضع لها.

ليس هذا مسارًا حتميًا. فقد تدفع الضغوط بعض الدول إلى التفاوض على شروط أكثر واقعية، وقد تعيد توزيع الأعباء بطريقة تجعل النظام أكثر قدرة على الاستمرار. لكن الفرق بين الحالتين لا يتحدد بمقدار القوة التي تستخدمها الولايات المتحدة، بل بقدرتها على التمييز بين انتزاع التنازلات وإعادة بناء العلاقة التي تجعل التنازلات المتبادلة ممكنة.

شارك الخبر: