لبنان
ثقافة

فوزي يمّين في "على بُعد خُطوتين": الشعر كهروبٍ إلى ما وراء الواقع

المدن١٦ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٩:٣٨ ص0 مشاهدة
فوزي يمّين في "على بُعد خُطوتين": الشعر كهروبٍ إلى ما وراء الواقع

تنويه

هذا الخبر بعنوان ""على بُعد خُطوتين" لفوزي يمّين: الشعر طريقة للفرار" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تبدأ المجموعة الشعريّة "على بُعد خطوتين" للشاعر فوزي يمّين بجملةٍ تُجسّد تجربةً ظاهراتيّة: "يداي على الطاولة، قفاي على الكرسي، وقدماي على الأرض". يؤكّد الشاعر من خلالها على حضور الجسد كدليلٍ على وجود العالم، مُدركًا تلامسه مع الواقع ليُثبت ذاته ويتجذّر في بيئته الملموسة. في هذا السياق، لا ينفصل فكره عن إحساسه الجسديّ، بل ينبع منه ويتفاعل معه، لينزلق أحيانًا نحو العبث والخيال، وكأنّ الواقع نفسه يفقد استقراره. يقول يمّين: "من زمان حفر أجدادي الوادي واستقرّوا. أحرقوا البخور حتى طاشوا. هكذا أتيتُ أنا دائخًا أترنّح، ساعةً أصطدم بالجبل ساعةً بالبحر". ويضيف: "البارحة تذكّرتُ أنّ الأرض تدور فعرفتُ لماذا تصيبني الدوخة".

بالنسبة للشاعر، يتجلّى المعنى ببطءٍ عبر التواصل والاحتكاك بالواقع، ليصبح هذا المعنى، أو ربّما هذا الخواء، حقلًا من الأحاسيس وسطحًا مُرتجًّا، حيثُ كلّ إدراكٍ هو حدثٌ بحدّ ذاته، مُشكّلًا أنطولوجيا المحسوس. يُعيد يمّين تأليف العالم بشجنٍ، مُنسّقًا المكان والزمان والجسد والأشياء من داخله، انطلاقًا من حالةٍ تبدو غير مستقرةٍ لكنّها خصبة. يصف ذلك بقوله: "استدرتُ من خلف الجبل لأحكّ له ظهره، وأدخلتُ أذني في فم النبع لأسمع ما يقوله هذا الثرثار، ثم نزلتُ أخيرًا إلى البحر واستلقيتُ على الشاطئ حتى الأفق".

يمتلك عقله قدرةً نادرةً على سدّ الفجوة بين المتناهي في الصغر واللّامتناهي، مُتّخذًا دور الوسيط الخفيّ بين فنجان القهوة والنجوم، كما في عبارته: "ذات صيف راودتني السماء، فربطتُها بالأرض وارتحتُ". وعلى الرغم من كونه مُتجولًا ذهنيًا، إلا أنّه يبدو مُلصقًا بكرسيه، مُعلنًا: "ذاهب أنا إلى حيث يذهب دخان سيجارتي التي أشعلها الآن، حاولوا اللحاق بي". لا يوجد مشروعٌ أو هدفٌ واضح، بل مجرّد حضورٍ عارٍ. يؤكّد الشاعر أنّ "الشعر لا يتعامل مع المعنى... لقد كان وسيظلّ قفزة خارج العقل والمنطق... ينبع من الغريزة، ويسعى إلى تحريك الخيال وتحريره...".

تنبض كتاباته بالحياة، تتكشّف كنسيجٍ وإيقاعٍ ونَفَس. يقول: "في مطلع الربيع، ما إن يهبّ هواء لطيف، ما إن يهبط ضوء خفيف، فكّرْ في كلمة تعقد ثمرة، لغة تتفتح". فتصبح اللغة مادّةً حيّةً عضويّةً تخترقها أحداثٌ حسّيةٌ دقيقة. يكتب يمّين ببطءٍ، مُسترشدًا بدخان سيجارته المتصاعد، وكأنّ هذه السحابة المعتمة تكشف كلّ شيء، وكلّ سيجارةٍ تجربةٌ فريدة. ينحت قصيدةً لها "ثلاثة أبناء: صدفة، ممكن، وربّما"، ويكتب بحبرٍ خاضعٍ للجاذبيّة "كلمة في الدفتر وكلمتين في الهواء". ويتأمّل: "ذات يوم اشتاقت الأرض للسماء، فكانت الجبال".

تصبح الكتابة لفتةً متناقضةً: نقشٌ ومحوٌ في آنٍ واحد. يعتقد الشاعر أنّنا "نكتب لنمحو"، ويكتب عن حضور غيابه: "أخبِرنْي ماذا حدث في غيابي، وفي حضوري". وللحفاظ على وهمٍ هشّ للواقع، يقرأ الجريدة "فقط لأدّعي الواقعيّة". ثمّ يستحوذ عليه الاختفاء تدريجيًا: "يتلاشى صوتي في صمتي، ولا أعود أرى صورتي في المرآة، ولا أسمع وقع خطواتي...". يذوب الشاعر في إدراكاته الخاصّة، ويكاد يغيب عن وعيه. وفي خضمّ هذه المتناقضات، يحاول فهم: "كيف يمكن للمرء أن يقرأ بالعينين؟". القراءة، التخيُّل، والشعور، كلّها تختلط معًا. ربّما نحتاج إلى أن نسمع ونلمس ونعيش بشكلٍ مختلف. العبارة المثلى التي تصفه بدقّة هي "توقّفوا، أريد أن أنزل."، تعبيرًا عن رغبةٍ في ترك التيار الجارف، ورفض المسار الكاسح، والهرب من نظامٍ يجرفنا بعيدًا، حيثُ "ليست الإنسانيّة أكثر من نكتة سمجة". ثمّ ينبثق حلمٌ: "ماذا لو سرقنا بعضنا وهربنا بلا عودة؟"، وكأنّ كلّ كتابات فوزي يمين، في أعماقها، ليست سوى محاولةٍ للفرار، أو ربّما، وبشكلٍ أدقّ، طريقةٍ لإعادة تعلُّم كيفيّة العيش.

شارك الخبر: