لبنان
سياسة

لبنان بين ضغوط أمريكية ووساطات قطرية وفرنسية: مصير اليونيفيل على المحك

المدن١٧ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٥:٣٦ ص0 مشاهدة
لبنان بين ضغوط أمريكية ووساطات قطرية وفرنسية: مصير اليونيفيل على المحك

تنويه

هذا الخبر بعنوان "بين الضغوط والتصعيد: الدوحة تدعم وبـارو يبحث مصير اليونيفيل" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في ظلّ مشهد لبناني لا يحتمل المزيد من الرهان على تهدئة مضمونة، ومع انسداد الأفق أمام التسوية مع إسرائيل وتداخل الاستحقاقات الأمنية مع حسابات الصراع الإقليمي، يجد لبنان نفسه أمام سباق مع الوقت لتثبيت مظلّة سياسية ودبلوماسية تحميه من اتساع الحرب. ويزداد القلق من أن يستغل رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المناخ الانتخابي في إسرائيل لتصعيد ميداني جديد، مما يضع لبنان أمام مخاطر إضافية في لحظة لا تزال فيها مسارات التفاوض عاجزة عن إنتاج ضمانات فعلية لوقف الاعتداءات واحتواء التوتر.

في موازاة الجمود الذي يطبع المسار الأمني والتفاوضي، لا تبدو الآمال كبيرة في أن تفضي الجولة المرتقبة من المحادثات العسكرية بين لبنان وإسرائيل، والمقرر عقدها في تامبا بين 20 و22 تشرين الأول الجاري، إلى نتائج ملموسة. ويزداد المشهد تعقيداً مع تصاعد الضغوط الأميركية على بيروت لاتخاذ إجراءات أكثر تشدداً على المستويات الأمنية والمالية والاقتصادية في مواجهة حزب الله، لا سيما بعد ضبط شاحنة المتفجرات في ضهر البيدر. وقد دخلت واشنطن على خط القضية، محذّرة السلطات اللبنانية من إعادة المتفجرات إلى الحزب، وداعية إلى محاسبة المتورطين في نقلها وتمويلها. وبذلك، تتجاوز تداعيات الحادثة إطارها الأمني المباشر، لتضع الحكومة أمام ضغوط سياسية تتصل بالخيارات التي يُنتظر أن تعتمدها في المرحلة المقبلة.

في هذا المناخ، جاءت زيارة رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني إلى بيروت، حاملةً تأكيداً لاستعداد الدوحة لمواصلة مساعدة لبنان ودعم استقراره. وشملت مباحثاته المسؤولين اللبنانيين، في إطار مساعٍ ترمي إلى فتح قنوات إضافية لمعالجة الأزمات المتراكمة، من الوضع السياسي والأمني إلى الأوضاع المعيشية وملف الكهرباء. وتندرج الزيارة ضمن تحرّك قطري أوسع يقوم على التنسيق مع الأطراف الإقليمية والدولية المعنية، بالتوازي مع جهود الدوحة الرامية إلى تجنيب المنطقة مواجهة جديدة بين الولايات المتحدة وإيران.

وعلى الصعيد الأمني، شدّد آل ثاني على دعم الجيش اللبناني وضرورة تنفيذ القرار الدولي 1701، بما يشمل انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية ووقف الاعتداءات. كما أكد استعداد قطر للتنسيق مع الولايات المتحدة في الجهود المتصلة بإعادة إعمار جنوب لبنان وتهيئة الظروف اللازمة لعودة السكان إلى قراهم، في ظل استمرار الهواجس بشأن استقرار المنطقة الحدودية وإمكانات تثبيت التهدئة.

وبعد التحرّك القطري، تتجه الأنظار إلى بيروت التي يصل إليها اليوم وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، قبل انضمامه إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في جولته الخليجية التي تبدأ مساء الأحد من الكويت، وتشمل الإمارات والبحرين وقطر. وتأتي الزيارة الفرنسية في مرحلة دقيقة، تتقدم فيها مسألة مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "اليونيفيل" إلى واجهة الاهتمام الدولي، مع اقتراب انتهاء ولايتها في 31 كانون الأول 2026، من دون اتضاح الصيغة التي ستنظّم الوجود الدولي في الجنوب اعتباراً من مطلع العام المقبل.

وبحسب الموقف الذي أعلنته الخارجية الفرنسية، تسعى باريس إلى تفادي نشوء فراغ أمني تعتبره بالغ الخطورة، وإلى مواصلة دعم تنفيذ الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل، الذي أُبرم برعاية أميركية في حزيران الماضي. وترى فرنسا أن المرحلة المقبلة تستوجب الإبقاء على شكل من أشكال الحضور الدولي لمواكبة الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي ومساندتهما، فيما يتمثل التحدي الأساسي في تحديد طبيعة هذا الوجود وآليات عمله بعد انتهاء مهمة "اليونيفيل". ومن المرتقب أن يبحث بارو مع المسؤولين اللبنانيين الخيارات المطروحة للقوة التي قد تتولى المهمة بعد "اليونيفيل"، وما إذا كان بالإمكان نشر قوة متعددة الجنسيات تحظى بتأييد الأمم المتحدة عبر قرار يصدر عن مجلس الأمن، أو إنشاء قوة تابعة للمنظمة الدولية، وهو الخيار الذي تعمل باريس على بحثه رغم المواقف الأميركية والإسرائيلية الرافضة لاستمرار قوة أممية في المنطقة.

وفي هذا الإطار، تواصل فرنسا مشاوراتها مع الجانب اللبناني سعياً إلى بلورة تصور للمرحلة التالية، في ظل تباين المواقف الدولية حيال شكل الانتشار الأمني المطلوب. ولا تقتصر المباحثات الفرنسية على مستقبل "اليونيفيل"، بل تشمل أيضاً البعثة الأوروبية الجديدة المكلّفة دعم لبنان، والتي مُنحت تفويضاً أولياً يمتد لثلاث سنوات. غير أن هذه البعثة، وفق المعطيات المتداولة، لا يُفترض أن تشكّل بديلاً عن القوة الدولية الحالية، كما لن تتولى تنفيذ مهام ميدانية إلى جانب الجيش اللبناني في الجنوب على غرار ما تقوم به "اليونيفيل".

وعلى الرغم من أن زيارة بارو لا تشير، في حد ذاتها، إلى تبدّل جوهري في مسار المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، فإنها تعكس إصرار باريس على إبقاء الملف اللبناني ضمن أولوياتها، في وقت تراجع فيه دورها المباشر في المسار التفاوضي. كما تحمل الزيارة أهمية إضافية في ضوء اقتراب جولة ماكرون الخليجية، وما يمكن أن تتيحه من اتصالات بشأن الأوضاع اللبنانية والإقليمية، في ظل الحاجة إلى تنسيق دولي يمنع تدهور الوضع الأمني.

وتتزامن هذه التحرّكات مع زيارة مرتقبة لرئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى بيروت الأسبوع المقبل، حيث يُنتظر أن يلتقي الرؤساء الثلاثة وعدداً من الشخصيات اللبنانية، للبحث في سبل تطوير العلاقات الثنائية وتعزيز التعاون بين البلدين.

وفي موازاة التحركات السياسية، أعاد وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا، في ختام زيارته إلى لبنان، التشديد على أهمية القرار 1701 وضرورة الحفاظ على الاستقرار في الجنوب. وحذّر من المخاطر التي قد تنجم عن انتهاء ولاية "اليونيفيل" من دون توفير آلية بديلة، مؤكداً أهمية وجود طرف ثالث يساهم في احتواء التوتر بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي ويحول دون تحوّل الاحتكاكات إلى مواجهات أوسع.

ويفتح هذا التحذير الباب أمام تساؤلات أساسية تتصل بمستقبل الخط الأزرق، والآليات التي يمكن اعتمادها لمراقبة الوضع الميداني ومنع التصعيد، فضلاً عن الدور الذي ستؤديه الأمم المتحدة في المرحلة المقبلة. وبين الضغوط الأميركية، والمساعي القطرية والفرنسية، والتحذيرات الأممية، يبقى التحدي أمام لبنان مزدوجاً: منع انزلاقه إلى مواجهة إقليمية جديدة، والتوصل في الوقت نفسه إلى صيغة تضمن استقرار الجنوب وتحول دون نشوء فراغ أمني مع نهاية العام.

شارك الخبر: