ملتقى "خبز ونت": استراتيجية "ليليبوت" في مواجهة عمالقة التكنولوجيا والحوكمة الرقمية


هذا الخبر بعنوان "ملتقى "خبز ونت": الحوكمة من تحت" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يعود ناشطو الحقوق الرقمية العرب إلى استراتيجية مجرّبة، مستوحاة من قصة جوناثان سويفت، حيث تكاتفت قوى صغيرة لتقييد عملاق. هذه المرة، العملاق هو عالم التكنولوجيا بأسماء نعرفها جيداً. في ملتقى "خبز ونت" الذي نظمته "سمكس" في بيروت على مدى ثلاثة أيام، تم اختبار هذه الوصفة عبر نحو مئة جلسة تناولت قضايا متنوعة، من الضغط على الشركات إلى جمع الأدلة ضد الحكومات، وتنظيم عمال التوصيل، وبناء شبكات اتصال بديلة.
تستحضر هذه الاستراتيجية ما حدث عام 1999 في سياتل، حيث أغلق المتظاهرون شوارع المدينة في وجه منظمة التجارة العالمية، في تطبيق لما أسماه جيريمي بريشر وتيم كوستيللو وبريندان سميث في كتابهما "العولمة من تحت" (Globalization from Below) "استراتيجية ليليبوت". هذه الاستراتيجية تعتمد على بناء تحالفات عبر الحدود بين جماعات صغيرة، في مقابل "العولمة من فوق" التي تصنعها الشركات والحكومات. وقد نجحت هذه الاستراتيجية في إسقاط "الاتفاقية المتعددة الأطراف للاستثمار" عام 1998، وفي دفع 39 شركة أدوية للتراجع عن دعواها ضد جنوب أفريقيا عام 2001 بشأن استيراد أدوية رخيصة للإيدز، وانهيار مشروع التجارة الحرة للأميركيتين لاحقاً.
لكن الزخم تراجع بعد ذروة المنتدى الاجتماعي العالمي في بورتو أليغري عام 2005، حيث أشار عالم الاجتماع جوفري بلايرز إلى تراجع حضور ونتائج الحركة. ومع انهيار المصارف عام 2008، لم تكن الحركة مستعدة لاستغلال الأزمة، إذ أن الأزمات وحدها لا تصنع التغيير.
في إحدى جلسات الملتقى الممتعة، قدم الدكتور وسام سعادة، أستاذ الفلسفة السياسية، ندوة بعنوان "البشر والأجهزة: حوار فلسفي". استعرض فيها تمييز الفيلسوف جيوفاني جنتيلي بين "الفكر المفكَّر" (pensiero pensato) و"الفكر المفكِّر" (pensiero pensante)، مقترحاً أن الخوارزميات هي مثال للفكر المفكَّر. وطرح سعادة فكرة أن استراتيجية ليليبوت قد تتحول إلى فكر مفكَّر، داعياً إلى ابتكار خيوط جديدة لمقاومة تحيّز التكنولوجيا.
برز في الملتقى الدفع نحو تشريع حقوق العمل الرقمي. يسعى الباحث ربيع جميل ومفوّض الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان بسام القنطار إلى دفع لبنان للتصديق على اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 193، وهي معيار دولي ملزم للعمل عبر المنصات. ومن قلب الملتقى، أُعلن عن مبادرة "مانيفستو العمل الرقمي" أو "إعلان بيروت"، وهو مسودة للنقاش الجماعي تهدف إلى إعادة تعريف العمل الرقمي في سياق الاقتصاد السياسي الأوسع، خاصة مع تزايد اقتصاد المنصات في منطقة تعاني أصلاً من ضعف تنظيم العمل.
يؤكد جميل أن الأولوية هي "إعادة التصميم"، بما في ذلك إعادة تخيّل شبكات الحماية الاجتماعية لتشمل العمال الرقميين، معتبراً أن الحقوق الرقمية وحقوق العمال هي جزء من سلة حقوقية واحدة. لكن العبرة تكمن في الاستمرارية، كما أثبتت تجربة بورتو أليغري.
في سياق آخر، اختبر ناشطون وموظفون في مايكروسوفت قدرة الضغط على عمالقة التكنولوجيا. بعد كشف تحقيق صحفي عن تخزين الوحدة 8200 الإسرائيلية لتسجيلات مكالمات فلسطينية على سحابة "أزور" التابعة لمايكروسوفت، احتج موظفون في الشركة. أعلنت مايكروسوفت لاحقاً "إيقاف وتعطيل" اشتراكات محددة، لكن البيانات كانت قد انتقلت إلى خوادم أمازون، مما يبرز تعقيد مواجهة ثلاثة عمالقة في سوق السحابة.
لا يخفي الملتقى هشاشة المنظمات العاملة في الحقوق الرقمية، حيث نوقشت أسباب تراجع مبادرات المصادر المفتوحة وحملات التنظيم الرقمي، مثل التمويل والاحتراق النفسي. وأقرّ بأن المجتمع المدني بحاجة إلى تدقيق أنظمته الداخلية. ورغم أن الملتقى لم ينتج شراكات رسمية، إلا أن صراحته تُحسب للمنظمين. الدرس المستفاد هو أن الحوكمة من تحت تنتصر عندما تُشدّ خيوطها إلى عقدة محددة، وتخسر حين تتحول إلى مجرد مهرجان سنوي. يبقى الرهان على القضايا التي ستستمر بعد انتهاء الملتقى.
تكنولوجيا
⚠️محذوفتكنولوجيا
تكنولوجيا
تكنولوجيا