لبنان بين الفيدرالية والحياد: هل يجد طريقه للخروج من الأزمة؟


هذا الخبر بعنوان "فدرلة الحياد: أيّ نظامٍ للبنان؟" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
إنّ الإخفاق المزمن في ممارسة الحياة السياسية وفقاً للدستور، وفشل قادة الحرب في ترسيخ اتفاق الطائف كعقد اجتماعي وسياسي وتحويله إلى عقود محاصصة، وممارسة السلطة بغطاء من الوصاية تحت حجّة الاحتلال، كلها إشكاليات أساسية تدفع أحزاباً ومراجع ومجموعات ضغط للبحث عن نظام سياسي جديد. والمؤلم أن الإحباط والشعور بعدم المساواة في المواطنة يدفعان جماعات للتفكير بالفيدرالية كآلية للحماية، تضمن الخصوصية، وتمنح هامشاً من الحوكمة، وتحفظ موارد هذه الجماعات من التجيير. يُضاف إلى هذه المعضلة المطالبة بحياد لبنان، نظراً لتنازل الدولة في حقبات مختلفة عن قرار الحرب والسلم، وتجيير مهام دفاعية وأمنية لميليشيات تورّط البلاد في حروب خاسرة ومدمّرة خدمة لمحاور وأنظمة أجنبية. للأسف، فإنّ القضايا التي يعاني منها المواطنون هي نفسها التي تشكّل العائق الأكبر أمام تطبيق النظام الفيدرالي أو إعلان حياد لبنان. ويستحيل حالياً تغيير قناعات كل اللبنانيين ليعلوا المواطنة على الانتماء الطائفي أو السياسي.
يصطدم تطوير النظام السياسي بعقبات سوسيولوجية وسياسية ودستورية وقانونية. إنّ عدم القدرة على البدء بتنفيذ اللامركزية الإدارية الموسّعة المنصوص عليها في اتفاق الطائف، والتي تُعدّ حلاً وسطاً بين الدولة الموحدة والفيدرالية، يجعل اعتماد الفيدرالية بعيد المنال. يعاني مناصرو الفيدرالية من سوء إدارة الدولة اللبنانية لملفات حيوية كالدفاع الوطني، والسياسة الخارجية، والحوكمة المالية. إلا أن هذه الوظائف، في النظام الفيدرالي، تبقى في يد الحكومة المركزية ولا تدخل ضمن صلاحيات الوحدات الفيدرالية. وبالتالي، لن تكون الفيدرالية حلاً مثالياً لهذه المشاكل، ولن تمنح أي نظام فيدرالي الوحدات صلاحيات مستقلة تتعلق بهذه الشؤون السيادية. ومن الإشكاليات العقيمة قضية احتكار القوة المسلحة. ينص القانون الدستوري على احتكار السلطة الاتحادية المركزية للشؤون الدفاعية وقرارات الحرب والسلم. وجود تنظيمات مسلحة غير نظامية ومستقلة خارج إطار الدولة يتناقض مباشرة مع شرط وجود دولة اتحادية تمارس سيادتها الكاملة. وهذا يؤدي إلى فيدرالية الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية، وهو نقيض لمفهوم الدولة، حيث لكل محافظة جيشها الخاص ذو عقيدة خاصة. فضلاً عن ذلك، قد يصطدم احتكار الدولة الفيدرالية للقوة المسلحة بالقوى الإقليمية التي تطمح لاستمرار لبنان كساحة نفوذ خارجي. علاوة على ذلك، تحولت الديمقراطية اللبنانية إلى ديمقراطية إجماعية وليست توافقية فقط، مما يجعل أي مشروع مرشحاً للسقوط بحجة الميثاقية حتى لو حصد الأغلبية الدستورية. في ظل الواقع السياسي الراهن، حيث يرى كل فريق مصير الدولة من نافذته وفقاً لمصالح أتباعه، يصعب الوصول إلى إجماع وطني عابر للطوائف وتوافق مجتمعي واسع حول تغيير شكل النظام. وبينما تُطرح الفيدرالية بشكل أساسي من قبل أحزاب أو جماعات مسيحية، تُقابل برفض وشكوك عميقة من مجموعة واسعة من المسيحيين، ومن أغلبية القوى السنية والشيعية التي تراها مقدمة لتقسيم البلاد وانقلاباً على الطائف، أو عائقاً أمامها لاستلام السلطة على كامل الدولة وفقاً للمعايير الديمغرافية وحجم القوة العسكرية. أما المعركة الأصعب فستكون على توزيع الصلاحيات في الحكومة المركزية، مما يعيدنا إلى نقطة الصفر. إن تقسيم الوحدات الفيدرالية على أساس جغرافي سيؤدي إلى إخضاع أقليات لنظام لم يختاروه، وسيزيد من حدة النعرات الطائفية. قد يصطدم التداخل الجغرافي والديموغرافي بمشكلة الجيوب الطائفية، بخلاف الفيدراليات التي قامت على اتحاد أقاليم أو كانتونات محددة جغرافياً (مثل سويسرا). فالمكونات الطائفية اللبنانية تتميز بالتداخل السكاني في معظم المناطق، مما يعني أن أي ترسيم للحدود الإدارية بين المحافظات أو الكانتونات سيؤدي حتماً إلى نشوء جيوب طائفية معزولة داخل أقاليم أخرى، وما يرافق ذلك من اضطرابات سكانية ونزاعات على الحدود الإدارية. ومن الإشكاليات المتعلقة بالتداخل الديموغرافي وجود المهجرين السوريين وأزمة اندماجهم في المجتمع اللبناني وقضية تجنيسهم، مع الأخذ في الاعتبار حجمهم في الاقتصاد اللبناني ومدى تأثيرهم على الانتظام العام. قد يصطدم تطبيق الفيدرالية في لبنان بمعضلة التفاوت الاقتصادي والمالي بين الكانتونات، إذ تتمركز الإيرادات الضريبية والمرافق الحيوية بشكل غير متكافئ في مناطق مثل جبل لبنان وبيروت الكبرى مقارنة بالمناطق الأخرى (كالبقاع والشمال)، وتحديداً الجنوب المدمّر. فتدمير قرى الجنوب وتهجير أهلها وحرق بساتينها إشكاليات على المستوى الوطني، قد تشكل العائق الأكبر أمام تطبيق الفيدرالية ولو على مستوى المستقبل المتوسط الزمن. وبالتالي، فإن أي آلية لإعادة توزيع الثروة بين الكانتونات، خصوصاً تلك التي شهدت تهجيراً ودماراً، ستواجه برفض الكانتونات الميسورة، التي من أهم أسباب لجوئها إلى نظام الفيدرالية هو الاستقلال المالي واعتماد حجم الإنماء وفقاً لنسبة الجباية وقيمة الأرباح. كما يصطدم تطبيق الفيدرالية في لبنان بإشكالية الهويات الثقافية وتأثيرها على الحريات العامة. فالخصوصية الدينية الثقافية قد تُقنن على المستوى الفيدرالي، حيث إن كل وحدة فيدرالية قد يكون لها نظامها الخاص وانتظام عام خاص يراعي الخصوصية. على سبيل المثال، التعليم الديني وتدريس التاريخ في المدارس، تحديد أيام العطلة في نهاية الأسبوع نسبةً إلى مواعيد الصلاة، أو حظر بيع وتقديم الكحول أو حظر ارتياد النساء المسابح المختلطة أو حظر ارتداء النساء ثياب سباحة محددة في كانتونات معينة، مما يشكل انتهاكاً للحريات العامة ويعزز التمييز على أساس الدين والجنس.
يُطرح الحياد كإطار مكمل لمنع انجرار لبنان إلى المحاور المتصارعة ولحمايته، ولتحويله ربما إلى واحة لحوار الحضارات، أو إلى مقر للمساعي الحميدة والخدمات الإنسانية والدبلوماسية. علماً أن تمكين النظام الفيدرالي في لبنان يعتمد على تثبيت حياد الدولة. إن الحياد الدائم يعتمد على مستوى دستوري داخلي وعلى آخر خارجي وفقاً لأحكام القانون الدولي العام. إضافة إلى شرط الإجماع الدستوري على المستوى الوطني، يقتضي على المستوى الخارجي أن تلتزم الدولة بالقانون الدولي ومبدأ عدم الانحياز وفقاً لاتفاقيات لاهاي (1907). يُفرض على الدولة المحايدة التزام تام بعدم المشاركة في النزاعات، وصون حرمة الإقليم، ومعاملة أطراف النزاع الخارجي بتكافؤ تام. وهذا يتطلب منع استخدام الإقليم الوطني كممر أو مسرح للعمليات العسكرية أو اللوجستية، وهو شرط يتناقض مع موقع لبنان في الصراع العربي الإسرائيلي وفي الصراع الأميركي الإيراني. يستلزم الحياد الدائم للبنان اعترافاً دولياً وضمانات صريحة من مجلس الأمن (كقرار مجلس الأمن رقم 109 عام 1955) أو من الجمعية العامة للأمم المتحدة (كالقرار الخاص بتركمانستان 50/80 لعام 1995) والدول الإقليمية النافذة والمنظمات الإقليمية كجامعة الدول العربية، وهو أمر غير متوفر في ظل الاستقطاب الإقليمي الحاد. لا يكفي أن تعلن الدولة حيادها من طرف واحد؛ بل يتطلب ذلك صكاً قانونياً دولياً أو معاهدة متعددة الأطراف تعترف بموجبها القوى العظمى والمجتمع الدولي بهذا الوضع القانوني الجديد. على سبيل المثال، جرى الاعتراف بحياد سويسرا في مؤتمر فيينا (1815) حيث ضمنت القوى الأوروبية الكبرى سلامة وحرمة أراضيها. أما النمسا، فاعتمدت
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة