المواطنة أولاً: بناء الأوطان يتجاوز الانقسامات الطائفية والعرقية


هذا الخبر بعنوان "المواطنة قبل خرائط الانفصال!" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في منطقتنا، بات من الضروري أن يشعر المواطن بأن مستقبله مرهون بكفاءته، وأن القانون هو الضامن لأمنه، وأن كرامته لا تتطلب وساطة طائفية أو تدخل سفارات أجنبية. صورة لعلم كردستان وسط دمار ناجم عن هجوم صاروخي إيراني قرب مدينة ألتون كوبري (بيردي) شمال كركوك في إقليم كردستان العراق، بتاريخ 23 نوفمبر 2022 (أ ف ب/ أرشيف)، تثير تساؤلات حول القلق الذي أبدته قيادة إقليم كردستان العراق إزاء الانسحاب الأميركي. هذا القلق يكشف عن حاجة مستمرة لضمانات خارجية للعلاقة بين مكونات الدولة العراقية، وهو أمر مفهوم في ظل تاريخ من القمع والوعود المخلفة.
لكن السؤال الجوهري هو: لماذا يعجز الوطن عن بث الطمأنينة في نفوس أبنائه، فيلجأون إلى قوى خارجية تتغير أولوياتها بتغير مصالحها؟ هذه الظاهرة، التي تتجلى في لبنان والعراق واليمن ودول أخرى، حيث يبحث مكون وطني عن الأمان عبر التحالف مع قوى خارج الوطن، هي مؤشر على عدم نضج الدولة الوطنية. يجب العمل على رفع الوعي بهذه القضية.
لقد حقق أكراد العراق تجربة حكم ذاتي راسخة، وأقر دستور 2005 إقليم كردستان وسلطاته. ورغم عدم حصولهم على دولة مستقلة، إلا أن تأسيس برلمان وحكومة ومؤسسات لهم ضمن العراق كان مكسبًا كبيرًا لشعب عانى من مآسٍ مثل مذبحتَي الأنفال وحلبجة. إلا أن الانتقال نحو الاستقلال الكامل اصطدم بحسابات الجغرافيا والاقتصاد ومواقف الجيران والقوى الكبرى. استفتاء سبتمبر 2017، الذي صوت فيه أكثر من 92% لصالح الاستقلال، لم يؤدِ إلى ميلاد الدولة المنشودة بسبب رفض بغداد، ومعارضة دول الجوار، وعدم حصولهم على تأييد واشنطن. كما فقد الإقليم السيطرة على كركوك ومناطق متنازع عليها.
هنا يكمن درس مهم: التعبئة الشعبية قد تنتج نتيجة انتخابية، لكنها لا تلغي موازين القوة ولا تصنع شروط الدولة بمفردها. في سوريا، أقامت قوى كردية إدارة ذاتية بحكم الأمر الواقع خلال الحرب، لكنها لم تتحول إلى دولة مستقلة معترف بها. وفي تركيا، خاض حزب العمال الكردستاني صراعًا مسلحًا طويلًا دون تحقيق الاستقلال، مع الأخذ في الاعتبار أن أكراد تركيا ليسوا مجرد هذا الحزب، وأن منهم من اختار العمل السياسي والانتخابي. تختلف أهداف الحركات الكردية نفسها بين الحقوق الثقافية واللامركزية والحكم الذاتي والانفصال، وتجاهل هذه الفوارق يفسد التشخيص.
المسألة أوسع من الأكراد؛ فالشرق الأوسط يعج بهويات قومية ودينية ومذهبية متنوعة، عانت بعضها مظالم حقيقية، وحولت ذاكرة الألم إلى مشروع سياسي دائم. تستثمر قيادات في الخوف وتقدم الانفصال كحل جاهز، ثم تتدخل قوى إقليمية أو دولية لتمنح السلاح والوعود وتستخدم القضية في مساوماتها. إن أخطر الأوهام هو تصور أن الراعي الخارجي يتبنى أحلام الجماعة كما يتبناها أبناؤها، فهو لديه حساباته الخاصة وقد يغادر تاركًا الجماعة أمام جيرانها.
لا يعني هذا دعوة المظلوم للصمت أو منح الحكومات المركزية صك براءة. فالسلطة التي تمنع لغة مواطنيها، أو تميز بينهم في الوظيفة والقضاء، أو تقصف مدنهم، تدفعهم للبحث عن مخارج. ومن السهل على الحاكم رفع شعار الوحدة ثم إدارة الدولة كأنها ملك لجماعته. لذلك، يبدأ الدفاع الجاد عن وحدة الأوطان بإصلاح السلطة وضمان الحقوق. المواطنة التزام على الدولة أولاً، قبل أن تكون مطلبًا موجهًا للناس.
تقدم سويسرا مثالاً مفيداً؛ بأربع لغات وطنية وتقاليد دينية وثقافية مختلفة، اجتمعت داخل دولة اتحادية. لم يكن شرط الانتماء أن يتخلى الناطق بالفرنسية عن لغته، بل ساعد توزيع الصلاحيات والاعتراف بالتنوع والمشاركة السياسية على بناء مصلحة مشتركة في البقاء. التجربة تبين أن احترام الخصوصيات يمكن أن يقوي الدولة، وأن المركزية الصارمة ليست المرادف الوحيد للوحدة الوطنية.
في كندا، رفض ناخبو كيبيك مشروع السيادة في استفتاء عام 1995 بغالبية ضئيلة. ورغم استمرار الخلاف السياسي، لم تتحول المقاطعة إلى ساحة حرب أهلية بفضل وجود مؤسسات تسمح بالخلاف وتنظمه. المواطن الذي يستطيع الاعتراض والاحتكام إلى القانون يملك أدوات تتجاوز الاحتماء بالعصبية. الدولة الواثقة من عدلها لا تعتبر كل مطالبة بالخصوصية إعلان عداوة.
أما جنوب السودان، فحقق استقلاله عام 2011، ثم اندلعت فيه الحرب الأهلية عام 2013. لم يؤد رفع العلم الجديد إلى إنهاء الصراع على السلطة، بل انتقلت الانقسامات إلى داخل الدولة الوليدة. قد تنجح جماعة في الانفصال، لكن نخبتها قد تفشل في بناء دولة. لذا، يتجاوز السؤال العملي رسم الحدود إلى كيفية إدارة الحكم، ومحاسبة المسؤولين، وحماية المختلفين داخل الحدود الجديدة.
النضال الذي يستحق الجهد في منطقتنا هو بناء دولة مدنية حديثة وعادلة، تتسع للهويات ولا توزع الحقوق بحسبها. عراقي أولاً، ثم كردي أو عربي، سني أو شيعي. وسوري أولاً، ثم كردي أو علوي أو درزي. ولبناني أولاً، ثم مسيحي أو مسلم، شيعي أو سني أو درزي. المقصود ترتيب العلاقة بالدولة، لا ترتيب قيمة الناس أو محو ذاكرتهم. يتحقق ذلك بقضاء مستقل، وتداول للسلطة، وتوزيع منصف للثروة، وضمانات دستورية تُنفذ. ومن دون هذه الشروط، تصبح الدعوة إلى المواطنة مجرد خطاب جميل.
نحتاج في منطقتنا إلى أن يشعر المواطن بأن مستقبله تصنعه كفاءته، وأن أمنه يحميه القانون، وأن كرامته لا تحتاج إلى وسيط طائفي أو سفارة أجنبية. كما نحتاج إلى تعليم يعرّف الأبناء بتاريخ بعضهم، بعيداً عن التخوين والبطولات المصطنعة. فالتعايش يتعلمه الناس في المدرسة والعمل والحي، وتفسده سياسة تجعل الجار متهماً بسبب اسمه أو مذهبه أو لغته. الأوطان تستقر بالعدل قبل أي شيء.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة