لبنان
ثقافة

كريستيان أمانبور: وداعاً لـ CNN بعد 43 عاماً من تغطية حروب العالم

النهار٢٠ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٩:٢٠ ص0 مشاهدة
كريستيان أمانبور: وداعاً لـ CNN بعد 43 عاماً من تغطية حروب العالم

تنويه

هذا الخبر بعنوان "كريستيان أمانبور تودّع CNN... من هي المرأة التي روت حروب العالم؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

بعد مسيرة حافلة امتدت لأكثر من أربعة عقود، أعلنت الصحافية البريطانية الإيرانية المخضرمة كريستيان أمانبور (68 عاماً) عن قرارها مغادرة شبكة CNN في حزيران/يونيو 2027. هذا القرار يمثل نهاية فصل طويل في حياتها المهنية، ارتبط اسمها فيه بالشبكة بقدر ما ارتبطت هي باسمها.

قالت أمانبور في إعلانها، الذي تم يوم الإثنين 19 تشرين الأول/أكتوبر، إنها توصلت إلى هذا القرار بعد أشهر من التفكير وليالٍ من الأرق، مؤكدةً تمسكها باستقلاليتها الصحافية في مواجهة الضغوط السياسية والمالية والمخاطر المتزايدة التي يتعرض لها الصحافيون.

من حلم الطب إلى ساحات الحروب:

ولدت أمانبور في لندن عام 1958 لأب إيراني وأم بريطانية، ونشأت في طهران قبل أن تغير الثورة الإيرانية عام 1979 مسار عائلتها وحياتها. المفارقة أنها لم تحلم منذ البداية بأن تصبح صحافية؛ فقد كشفت في حديث سابق لمجلة "فوغ" أنها كانت ترغب في دراسة الطب والتخصص في الجراحة، لكن نتائجها المدرسية لم تؤهلها لذلك. في تلك الفترة، وبينما كانت تبحث عن مستقبلها، اندلعت الثورة في إيران وشهدت التحولات التي قلبت حياة عائلتها ومجتمعها. هناك، أدركت أنها تريد أن تروي ما يحدث حولها وأن تمنح القصص الإنسانية صوتاً يصل إلى العالم.

درست الصحافة في جامعة رود آيلاند الأميركية، والتحقت بشبكة CNN عام 1983 كمساعدة في قسم التكليفات الدولية بمقرها في أتلانتا. ومن هناك، شقت طريقها تدريجياً إلى الميدان، قبل أن تصبح مراسلة خارجية عام 1990.

صناعة الشهرة من قلب الأزمات:

برز اسمها خلال حرب الخليج عام 1991، لتصبح تغطيتها لحرب البوسنة وحصار سراييفو من أبرز المحطات التي صنعت شهرتها. في مدينة مزقتها الحرب، اختارت أن تنقل معاناة المدنيين وأن تواجه الأسئلة الأخلاقية التي تطرحها الصحافة حين تكون شاهدة على الفظائع. شكلت سراييفو منعطفاً في فهمها للموضوعية، إذ رأت أن نقل الوقائع بأمانة لا يعني وضع الضحية والجلاد في كفتين متساويتين، خصوصاً أمام جرائم الحرب والتطهير العرقي.

من العراق إلى رواندا وأفغانستان وأوكرانيا، حضرت أمانبور في مناطق النزاع، ناقلةً إلى الشاشات قصصاً وأصواتاً لم يكن العالم ليسمعها بسهولة.

أسئلة لا تريح أصحاب السلطة:

لم تقتصر مسيرتها على الجبهات، فقد أجرت مقابلات مع عدد كبير من قادة العالم، ورسخت حضوراً تلفزيونياً يقوم على الأسئلة المباشرة والمواقف الحازمة. في العالم العربي، برزت مقابلاتها خلال محطات سياسية مفصلية، منها لقاؤها الرئيس المصري السابق حسني مبارك في شباط/فبراير 2011، وسط الاحتجاجات الشعبية التي سبقت تنحيه عن الحكم. يومها، وصلت إلى القصر الرئاسي بعد عبور أجواء متوترة في القاهرة، وانتزعت مقابلة مع مبارك في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في عهده.

"كونوا صادقين دائماً، لا محايدين":

اشتهرت بمقولتها التي تختصر رؤيتها للمهنة: "كونوا صادقين دائماً، لا محايدين"، انطلاقاً من قناعتها بأن الصحافة لا تستطيع مساواة الحقيقة بالتضليل تحت عنوان الحياد. حصدت خلال مسيرتها جوائز صحافية وتلفزيونية مرموقة، بينها جوائز "إيمي" و"بيبودي"، كما منحتها مدينة سراييفو المواطنة الفخرية تقديراً لتغطيتها حرب البوسنة.

الأمومة والخوف ومعركة السرطان:

لكن المرأة التي اعتاد العالم رؤيتها وسط القصف لم تكن بمنأى عن الخوف. فقد تحدثت أمانبور في مقابلات سابقة عن التحول الذي أحدثته الأمومة في حياتها. وبعد ولادة ابنها، لم تعد المخاطرة في ساحات الحرب مسألة تخصها وحدها، بل أصبحت تفكر في احتمال ألا تعود إليه، وفي ضرورة أن تكون حاضرة في حياته. قالت إنها صارت أكثر حذراً في تقدير الأخطار والفترات التي تمضيها في مناطق النزاع. ومع بلوغ ابنها العاشرة، اختارت الانتقال بصورة أكبر إلى العمل داخل الاستوديو، بعدما أمضت سنوات على الجبهات.

في عام 2021، واجهت معركة شخصية أخرى، حين أعلنت إصابتها بسرطان المبيض وخضوعها لجراحة وعلاج كيميائي. وتحدثت علناً عن تجربتها لتشجيع النساء على الانتباه إلى أجسادهن وعدم تجاهل الأعراض أو المخاوف الصحية.

وداعاً للشاشة، لا للصحافة:

لم تكن علاقة أمانبور بـCNN متواصلة من دون انقطاع، إذ انتقلت عام 2010 إلى شبكة ABC لتقديم البرنامج السياسي "This Week"، قبل عودتها إلى CNN عام 2012، ومواصلة حضورها في الصحافة الدولية. بحسب الجدول المعلن، ستنهي برامجها اليومية مع نهاية عام 2026، وتواصل تقديم برنامج أسبوعي على CNN حتى أيار/مايو 2027، قبل مغادرة الشبكة في حزيران/يونيو. كذلك، ينتهي برنامجها "Amanpour & Company" على شبكة PBS، فيما تواصل تقديم البودكاست "The Ex Files" مع زوجها السابق، الدبلوماسي الأميركي جيمي روبن.

تأتي مغادرتها في مرحلة تشهد فيها CNN تغييرات في ملكيتها، دون إعلان وجود صلة مباشرة بين القرار وهذه التحولات. تغادر أمانبور المؤسسة التي صنعت فيها معظم تاريخها المهني، بعدما شهدت حروباً وسقوط أنظمة وتبدل خرائط سياسية. ويبقى في تجربتها سؤال يتجاوز مسيرتها الشخصية: كيف تحافظ الصحافة على استقلاليتها في عالم تتزايد فيه الضغوط على الحقيقة؟ بالنسبة إلى أمانبور، يبدو الجواب واضحاً: فالرحيل عن الشاشة التي عرفها الجمهور طوال عقود لا يعني التخلي عن المهنة، ولا عن الصوت الذي اختارت أن ترفعه كلما استدعت الحقيقة ذلك.

شارك الخبر: