لبنان
ثقافة

من الأدب والسينما: دروس مستفادة من الكوارث النووية

المدن٢٠ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٠:١٢ ص0 مشاهدة
من الأدب والسينما: دروس مستفادة من الكوارث النووية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الأدب والسينما إذ يعلماننا شيئاً عن الكوارث النووية" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

مع تزايد التهديدات باستخدام الأسلحة النووية، نستعرض الأعمال الأدبية والسينمائية التي تناولت الكوارث النووية، سواء كانت حوادث عرضية أو قنابل متعمدة. من أفلام مثل "أوبنهايمر" و"هيروشيما حبّي"، إلى المسلسل القصير "تشيرنوبيل" من إنتاج HBO، نستخلص دروساً قيّمة. يستند المسلسل إلى شهادات جمعتها الحائزة على جائزة نوبل سفيتلانا أليكسييفيتش في كتابها "صلاة تشيرنوبيل".

تبدأ القصة في 26 أبريل 1986، في الساعة 1:23:45 صباحاً، بانفجار أول في مدينة بريبيات، تلاه انفجار آخر أكبر. استُدعي رجال الإطفاء وسيارات الإسعاف، وبعد ساعات قليلة، وصل جميع رجال الإطفاء إلى المستشفى. في اليوم التالي، استقبل المستشفى كل من كانوا في المبنى رقم 3 بمحطة تشيرنوبيل النووية أو بالقرب منه. بعد أسبوعين، توفي جميع رجال الإطفاء، وكذلك كل من شاهد الحادث من "جسر الموت". لم يكن الحريق "عادياً"، ف"لا يمكن سماع الإشعاع أو رؤيته، كما أنه بلا رائحة ولا لون... لكن النشاط الإشعاعي يغيرنا جسدياً ونفسياً. تتغير تركيبتنا الدموية، ويتغير شريطنا الوراثي، بل ويتغير المشهد المحيط بنا!"

في كتاب "صلاة تشيرنوبيل" (1997)، تجمع أليكسييفيتش شهادات متنوعة لأشخاص تأثروا بانفجار المفاعل الرابع في تشيرنوبيل، الذي كان تلوثه الإشعاعي أقوى بـ 400 ضعف من قنبلة هيروشيما. تقدم الشهادات لمحة عن العلم والتاريخ والحب والمعاناة، وتطرح تساؤلات حول النظام السياسي، والتلوث، والطفرات الجسدية. يصف الكتاب كيف أن "الرجل الذي أحببته كثيراً كان يتحول أمام عيني... إلى وحش"، وكيف "لم يعد يملك جسداً متماسكاً".

يشكل هذا الكتاب أساس المسلسل القصير "تشيرنوبيل" (2019)، الذي يكشف عن مخاطر التلوث الإشعاعي بصورة قاسية: "إنهم يغيبون عن الوعي، وينزفون من أنوفهم، ويفقدون القدرة على استخدام أرجلهم"، أو كما وُصف أحدهم: "لم يعد يملك جسداً متماسكاً، بل صار كتلة هائلة من الجروح؛ كانت العظام تتحرك واللحم ينفصل عنها، وقطع من الرئة والكبد تخرج من فمه". يواجه المشاهد جرعات هائلة من الإشعاع، حيث تعرض أحدهم لـ 1400 رونتجن، بينما الجرعة المميتة هي 400 فقط. تكشف الشهادات عن الجانب التوثيقي والعلمي لتجربة الإشعاع، مع نبرة تثير الرعب: "وُلدَتْ بلا مؤخرة؛ أوافق على أن تصبح فأر تجارب، مثل الضفدع، شرط أن تنجو!"، أو "الغدة الدرقية هي مقياس مثالي للجرعات الإشعاعية!". يتحدث الكتاب عن قرية دُفنت بسبب المطر الذي كان "يتدحرج كالزئبق"، وعن أطفال لن يتمكنوا أبداً من أن يصبحوا آباءً.

يتحول كل شيء إلى صراع من أجل البقاء، مما يخلق صدىً عالمياً. يدلي الناجون بشهاداتهم: "لم نفهم كل شيء، لكننا رأينا كل شيء... نريد أن نكون مثل الآخرين لكننا لم نعد قادرين على ذلك"، أو "كيف نعيش؟ كيف يمكن الإنجاب بعد كل هذا؟ لو عُرض هذا على التلفاز، فلن ترغب أي أم في الإنجاب بعد الآن". يبقى السؤال الجوهري: "هل الأفضل أن نتذكر أم ننسى؟" أو بالأحرى: "يجب إظهار الحرب بصورة مروعة لدرجة تجعل الناس يتقيؤون، وتجعلهم يمرضون من هولها!"

في المقابل، قدمت مارغريت دوراس في فيلم "هيروشيما حبّي" (1959) مقاربة مختلفة، موضحةً استحالة سرد فظاعة المصيبة: "من المستحيل الحديث عن هيروشيما؛ فكل ما يمكننا فعله هو الحديث عن استحالة الحديث". تقول دوراس: "لم ترَ شيئاً في هيروشيما. لا شيء... فالوهم يكمن في الاعتقاد بأنه بوسعنا سرد هذه الحكاية". يرتكز الفيلم على الجدلية بين الموت والحب، وهي جدلية تتردد أصداؤها في كتاب "صلاة تشيرنوبيل" والمسلسل الذي يحمل العنوان نفسه: "وُلدتُ من أجل الحب... لكنني أرغب في الحديث عن الموت [...] احتفظتُ بساعته، وبطاقته العسكرية، والميدالية التي نالها عن تشيرنوبيل..."

يصرّح فيزيائي سوفيتي: "لا أخشى الله، بل أخشى الإنسان"، مضيفاً: "لقد أُقحِم العلم في السياسة"، وأن "مصير ملايين البشر يقع بين أيدي قلة من الأفراد". رغم أن "القنابل الذرية لا تختفي"، يرى ناجون آخرون أن "الله قد خلق العالم بلا شك، ولذا لا يمكن للعالم أن يفشل تماماً"، وأن "المعرفة لا يمكن أن تكون إجرامية". يتناول فيلم كريستوفر نولان عن روبرت أوبنهايمر (2023) تأملات أخلاقية حول "خطيئة" العلماء، مؤكداً أن "مسألة استخدام هذه القنابل تقع على عاتق الحكومات، لا العلماء".

يقول أحد الناجين من كارثة تشيرنوبيل: "الطاقة النووية حربٌ تعلو الحروب؛ لا يجد الإنسان خلاصاً في أي مكان؛ لا على الأرض، ولا في الماء، ولا في السماء". وتُعبّر ناجية أخرى عن استيائها: "لقد أدركتُ كم هو سهلٌ أن يتحول المرء إلى غبار". تدق هذه الأعمال ناقوس الخطر بشأن المخاطر القاتلة للتلوث الإشعاعي وآثاره التي قد تستمر لآلاف السنين، مذكّرةً بمقولة أينشتاين عن الحرب العالمية الثالثة: "لا أعرف بأي سلاح ستُخاض الحرب العالمية الثالثة، لكن الرابعة ستُخاض بالعصي والحجارة ".

شارك الخبر: