لبنان
تكنولوجيا

تهديدات مضيق باب المندب وهرمز: هل تعزل إيران والحوثيون شرق العالم عن غربه رقمياً؟

المدن٢٠ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٩:٤٤ م0 مشاهدة
تهديدات مضيق باب المندب وهرمز: هل تعزل إيران والحوثيون شرق العالم عن غربه رقمياً؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "تهديدات إيران والحوثيين...هل تعزل شرق العالم عن غربه؟" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تُظهر التهديدات الإيرانية الأخيرة، التي تمتد من مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي في الخليج إلى خيوط الألياف الضوئية في قاع البحر الأحمر، حقيقة غالباً ما تخفيها كلمة "السحابة". هذه "السحابة" ليست في السماء، بل تتكون من مراكز بيانات، وخوادم، وموجهات، وأنظمة تبريد، وملايين الكيلومترات من الألياف الضوئية البرية والبحرية. العمود الفقري لهذه المنظومة هو الكابلات البحرية التي تنقل أكثر من 99% من تدفقات البيانات الدولية، وفقاً للاتحاد الدولي للاتصالات. تتسبب الأنشطة البشرية، مثل الصيد ومراسي السفن، بنحو 86% من أعطال هذه الكابلات البالغ طولها 1.4 مليون كيلومتر.

يُعد مضيق هرمز نقطة اختناق رقمية مهمة للخليج، بينما يمثل مضيق باب المندب والبحر الأحمر نقطة اختناق دولية بين أوروبا وآسيا. هذا يجعل مخاطر التهديدات الإيرانية والحوثية عالية على الاتصالات والإنترنت بين دول العالم وأقطابه الاقتصادية. أي مواجهة عسكرية تؤثر على هذه البنية لا تهدد الإنترنت كمفهوم مجرد، بل الجهاز العصبي المادي للاقتصاد الرقمي.

عقدة الاتصالات في هرمز وباب المندب

تتقاطع هذه البنية في الشرق الأوسط مع اثنين من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم: مضيقا هرمز وباب المندب. تنتقل مليارات المعلومات عبر كابلات بحرية إلى مراكز البيانات في أوروبا وأميركا واليابان ودول الخليج. تخرج البيانات من مراكزها عبر ألياف برية إلى شبكات الاتصالات، ثم إلى محطات إنزال الكابلات البحرية، لتبدأ رحلة قد تمتد آلاف الكيلومترات في قاع البحر.

99% من الكابلات تمر من هرمز وباب المندب

تنقل الكابلات البحرية الحديثة البيانات بواسطة الضوء داخل ألياف زجاجية دقيقة، محمية بطبقات متعددة، ويزداد التدريع قرب الشواطئ. أجهزة على امتداد الكابل تضخم الإشارة لتمكين النبضات الضوئية من عبور آلاف الكيلومترات. ورغم انتشار شبكات مثل Starlink، فإن الأقمار الصناعية تؤدي دوراً مكملاً ولا تحمل السعة الهائلة نفسها التي تنقلها شبكة الألياف البحرية العالمية، التي ما زالت تحمل أكثر من 99% من البيانات الدولية.

خريطة مختلفة للعالم

إذا استبدلنا الحدود السياسية بخريطة الكابلات، سنرى جغرافيا مختلفة. شبكات كثيفة تعبر الأطلسي والمحيط الهادئ. لكن الاتصال بين أوروبا وآسيا يواجه مشكلة جغرافية واضحة، حيث يمر أقصر الطرق عبر الشرق الأوسط: آسيا - المحيط الهندي - بحر العرب - خليج عدن - باب المندب - البحر الأحمر - مصر - المتوسط - أوروبا. وهنا تكمن نقطة الاختناق.

باب المندب: عنق الإنترنت بين أوروبا وآسيا

يمر أكثر من 90% من السعة المباشرة بين أوروبا وآسيا عبر كابلات البحر الأحمر، وفقاً لـ TeleGeography. تعتمد دول عديدة في آسيا وشرق أفريقيا والشرق الأوسط على هذه الكابلات في أكثر من نصف سعتها الإقليمية المتجهة نحو أوروبا. تمر عبر منظومة البحر الأحمر مجموعة من أهم الكابلات الدولية، منها: AAE-1، EIG، SeaMeWe-4، SeaMeWe-5، FALCON، SEACOM/Tata، و TGN-Eurasia، بالإضافة إلى أنظمة أحدث ومشاريع توسعة جديدة. بعض هذه الكابلات مملوك لتحالفات تضم شركات اتصالات من عشرات الدول.

هرمز: هل تمر تحته فعلاً سبعة كابلات؟

في خضم التصعيد الإقليمي، دخلت الكابلات البحرية الخطاب الإيراني. لكن يجب الفصل بين التهديد السياسي والخريطة التقنية. بحسب TeleGeography، الكابلات النشطة التي تعبر مضيق هرمز فعلياً هي ثلاثة: AAE-1، FALCON، و Gulf Bridge International Cable System (GBICS/MENA). يربط نظام FALCON عدداً من دول الخليج بشبكة أوسع تمتد باتجاه الهند. تعطله قد يكون مؤلماً للاتصال الخليجي، لكنه لا يعني "إطفاء الإنترنت العالمي". المسار الرئيسي الذي يربط أوروبا بآسيا عبر البحر الأحمر لا يمر في هرمز، ويبعد أكثر من 900 ميل عن المضيق. الخطر المباشر لتعطل كابلات هرمز يتركز على شبكات الخليج، وليس على كامل الاتصال بين أوروبا وآسيا. أما إذا انتقل التعطيل إلى باب المندب والبحر الأحمر، فسيصبح نطاق التأثير المحتمل أوسع بكثير.

لماذا مصر عقدة رقمية عالمية؟

بعد عبور باب المندب والبحر الأحمر، تصل كمية هائلة من هذه الكابلات إلى مصر، آتية من مومباي وطوكيو. هناك تتحول المسارات بين ساحل البحر الأحمر وساحل المتوسط، ثم تعود الكابلات إلى البحر باتجاه أوروبا. تظهر نقاط مثل السويس، الزعفرانة، الإسكندرية، وبورسعيد بصورة متكررة في خرائط الشبكات البحرية. تستضيف الزعفرانة وحدها أنظمة متعددة، منها Africa، AAE-1، EIG، IEX، PEACE، SEACOM/TGN-Eurasia، و SeaMeWe-5. أهمية مصر الرقمية تشبه أهميتها البحرية، فالجغرافيا نفسها التي صنعت قناة السويس صنعت ممراً طبيعياً للبيانات. في الجانب الآخر من المتوسط، تظهر عقدة أوروبية كبرى هي مرسيليا، التي تصل إليها أنظمة متعددة تربط أوروبا بأفريقيا والشرق الأوسط وآسيا.

2Africa.. الجيل الجديد من الشبكة

جيل جديد من الكابلات يعيد تشكيل الخريطة، مثل نظام 2Africa الذي يبلغ طوله نحو 45 ألف كيلومتر ودخل الخدمة ابتداء من 2024. تظهر خريطته نقاطاً في البحرين، الكويت، قطر، السعودية، عُمان، الإمارات، الهند، باكستان، مصر، شرق أفريقيا وغربها وجنوبها، وصولاً إلى أوروبا. هذه الشبكات الجديدة لا تلغي نقاط الاختناق الجغرافية بالكامل، بل تحاول بناء المزيد من التنوع والمسارات البديلة حولها.

ممر بديل

إذا تعطل مسار البحر الأحمر بصورة واسعة، توجد طرق أخرى بين آسيا وأوروبا، مثل الالتفاف حول أفريقيا، لكن المسافة أطول وقد يزيد ذلك زمناً إضافياً لانتقال البيانات، ويحتاج إلى سعة احتياطية كافية لاستيعاب الحركة المحولة.

هل تستطيع الأقمار الاصطناعية إنقاذ الموقف؟

يمكن للأقمار الاصطناعية المساعدة، لكنها لا تستطيع استبدال الشبكة البحرية العالمية. الاتصال الفضائي بالغ الأهمية للمناطق النائية، وللطوارئ، ولتوفير مسارات إضافية عند تعطل البنية الأرضية. لكن الحجم الهائل لحركة البيانات بين مراكز البيانات، وشركات الاتصالات، والبنوك، والمنصات السحابية، وشبكات توزيع المحتوى، ما زال يعتمد بصورة أساسية على الألياف. يصف الاتحاد الدولي للاتصالات الكابلات البحرية بأنها العمود الفقري الخفي للاقتصاد الرقمي العالمي.

من مضائق النفط إلى مضائق البيانات

لعقود، ارتبط اسم هرمز بالنفط، وباب المندب بالسفن والتجارة، والسويس بحركة البضائع بين آسيا وأوروبا. لكن تحت طبقة الجغرافيا التقليدية، ظهرت طبقة جديدة هي جغرافيا البيانات. التهديد الإيراني لا يعني قدرة إيران على إطفاء الإنترنت عن العالم، فالشبكة موزعة وهناك مئات الكابلات ومسارات بديلة. لكن الخطر الحقيقي يظهر عند تراكم الأعطال، وتضرر المسارات البديلة، وصعوبة وصول سفن الإصلاح، واضطراب الكهرباء أو مراكز البيانات، واستمرار الأزمة فترة طويلة. عندها تتحول قدرة الشبكة على إعادة التوجيه من شبكة أمان إلى مورد محدود. المعركة قد تكون على الخادم، والطاقة التي تشغله، والطريق الذي يحمل بياناته. وتحت مياه هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، يمر اليوم بعض أهم هذه الطرق، في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطراباً. فالإنترنت، مهما بدا افتراضياً، له جغرافيا يمكن أن تتحول إلى ساحة حرب.

شارك الخبر: