إصلاح المصارف اللبنانية: معركة الصلاحيات أم أزمة المساءلة؟


هذا الخبر بعنوان "إصلاح المصارف: صراع صلاحيات أم أزمة مساءلة؟" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
قد يُفسّر قرار المجلس الدستوري الصادر في 20 تشرين الأول 2026 على أنه انتصار لمصرف لبنان، حيث أبطل التعديل وأبقى المادة الثالثة من قانون إصلاح وضع المصارف بصيغتها الأصلية التي تتضمن عبارة "مع الالتزام بقانون النقد والتسليف". ومع ذلك، لم يحسم المجلس الدستوري الخلاف حول الصلاحيات. فقد تبين أن النص المعدّل للمادة الثالثة أُدرج في القانون رقم 71/2026 دون موافقة مجلس النواب بالتصويت. ويُصوّر هذا الخلاف غالباً كنزاع بين مصرف لبنان والهيئة المصرفية العليا، رغم أن أربعة من أعضاء الغرفة الثانية السبعة هم أيضاً أعضاء في المجلس المركزي لمصرف لبنان نفسه: الحاكم ونائبين له ومدير المالية العام.
في جلسة 11 و12 آب 2026، عُرضت المادة الثالثة للتصويت برفع الأيدي وفق اقتراح لجنة المال والموازنة، فسقط الاقتراح مرتين. ورغم مطالبة نائبين بعرض نص بديل، أعلن رئيس مجلس النواب "تصديق المادة وفق نص الحكومة". وخلص المجلس الدستوري، بمقارنة المحضر والتسجيل الصوتي، إلى أن القانون نال الأكثرية بصيغة لجنة المال والموازنة باستثناء المادة الثالثة، دون إقرار نص بديل لها. وعليه، أبطل المجلس الدستوري تعديل المادة الثالثة دون الخوض في سبب الطعن المتعلق بوضوح التشريع أو حسم الحجة القائلة إن حذف الإحالة يمسّ صلاحيات مصرف لبنان. وبقاء العبارة لا يُعدّ إقراراً بهذه الحجة أو رفضاً لها.
لا يؤدي صدور القرار الدستوري وإبطال التعديل إلى بدء تنفيذ قانون الإصلاح؛ إذ يبقى تنفيذه، بموجب القانون الأصلي وتعديله، معلقاً على إقرار قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع ونشره. ويبقى السؤال الأساسي للمودع والمصرف والدولة: عند تعثّر مصرف، من يقيّم وضعه ومن يقرّر معالجته؟ لجنة الرقابة على المصارف تقيّم التعثّر وتوصي بالإصلاح أو التصفية. والغرفة الثانية في الهيئة المصرفية العليا تتخذ القرار ضمن اختصاصها دون اشتراط موافقة سلطة أخرى. ويُستشار المجلس المركزي لمصرف لبنان في قضايا الاستقرار المالي. وللهيئة، بأكثرية ثلثي أعضائها، رفع توصيات إلى مصرف لبنان لتنظيم إجراءات التنفيذ، فيما تراقب المحكمة الخاصة قانونية قرارات الهيئة. ونصّت المادة 18 من قانون الإصلاح، بصيغتها المعدّلة بالقانون رقم 71/2026، على ممارسة الهيئة الصلاحيات المتصلة بتنفيذ القانون وغير المسندة إلى جهة أخرى، ويتحدد نطاق هذه الصلاحيات بعد تعيين اختصاصات سائر الجهات، فلا تنشئ تفويضاً مطلقاً. كما لا تكفي الإحالة العامة إلى قانون النقد والتسليف لاشتراط موافقة المجلس المركزي على كل قرار معالجة يصدر عن الهيئة؛ فقد حدّد القانون الحالات التي تستوجب الاستشارة أو تجيز التوصية، وأكّد استقلال قرار الهيئة ضمن اختصاصها.
الجدل يصوّر مصرف لبنان والهيئة طرفين متقابلين، ويظهر التداخل بين المجلس المركزي لمصرف لبنان والغرفة الثانية في الهيئة المصرفية العليا بوضوح عند مقارنة العضوية. فالمجلس المركزي يتألف من حاكم مصرف لبنان ونوابه الأربعة ومدير المالية العام ومدير الاقتصاد الوطني العام. أما الغرفة الثانية، فتتألف، بحسب النص المعدّل، من الحاكم ونائبه الأول ونائب آخر يختاره المجلس المركزي ومدير المالية العام، إلى جانب قاضٍ وخبير مالي وخبير اقتصادي. وبذلك يجمع الحاكم ونائبان له ومدير المالية العام بين عضوية المجلس المركزي والغرفة الثانية في الهيئة المصرفية العليا؛ أي إن أربعة من أعضاء الغرفة الثانية السبعة هم أيضاً أعضاء في المجلس المركزي. وعليه، عند حضور الأعضاء السبعة للغرفة الثانية، تكفي أصوات هؤلاء الأربعة، إن اتفقت، لتكوين الأكثرية العادية. إلا أن هذا الاشتراك في العضوية بين المجلس المركزي والغرفة الثانية لا يدمج اختصاص الجهتين، لكنه يبيّن أن العلاقة بينهما تتجاوز مجرد التنسيق بين مجلس وهيئة، ويستدعي التدقيق في ضمانات استقلالية القرار والتنحي عند تضارب المصالح.
وبصرف النظر عن الخلاف حول صلاحيات الهيئة المصرفية العليا، يدخل إصدار التعاميم في صلب صلاحيات المجلس المركزي لمصرف لبنان، ومنها التعاميم التي تعدّل بعض المتطلبات الرقابية المفروضة على المصارف، والتي يُبنى عليها جانب من تقييم التعثّر. وبذلك يؤثر المجلس المركزي في أسس التقييم الذي تجريه لجنة الرقابة على المصارف، أي في مرحلة سابقة لصدور قرار المعالجة عن الغرفة الثانية في الهيئة المصرفية العليا. فقد خفّض المجلس المركزي نسبة التوظيفات الإلزامية بالعملات الأجنبية لدى مصرف لبنان من 15% إلى 14% ثم إلى 11%. وبموجب تعميم آخر يتعلق بالحساب الخارجي الحر من الالتزامات، أمهل المصارف المخالفة حتى 31 آذار 2027 لاستيفاء نسبة 3% من ودائعها بالعملات الأجنبية كما كانت في 30 حزيران 2026. وتدخل في احتساب هذه النسبة، ضمن شروطها، بعض الأوراق المالية؛ فلا تمثّل كلها سيولة نقدية جاهزة. وقد يكون تخفيف المتطلبات المفروضة على المصارف أو الإمهال مشروعاً، لكنه لا يثبت التعافي، لأن العجز عن الدفع معيار مستقل لا تمحوه التعاميم، وإن تكرّر اللجوء إلى الإمهال في تعاميم عدة منذ بداية الأزمة.
في حماية الحقوق الفردية، أبطل المجلس الدستوري من تلقاء نفسه عبارة "إضافة إلى قرار منعهم من السفر" الواردة في المادة 19 من القانون رقم 71/2026، فأسقط بذلك صلاحية منع السفر إدارياً الممنوحة للهيئة أو المصفّي أو لجنة التصفية، مع إبقاء سائر أحكام المادة. وبقي النص الذي يوجب، عند توافر شروطه، إبلاغ المعنيين بالامتناع عن التصرف بكل أملاكهم وحساباتهم أو بعضها، ووضع إشارة منع تصرف لمدة لا تتجاوز ستة أشهر غير قابلة للتجديد. كذلك أبطل المجلس الدستوري الحماية المقرّرة لموظفي المصرف من أي إجراء قضائي أو دعوى عند تقيّدهم بقرارات الهيئة، مع إبقاء إعفائهم من المسؤولية الناتجة عن هذا التقيّد. فأُزيل القيد على اللجوء إلى القضاء، وبقي على القاضي التحقق من شروط الإعفاء: هل التزم الموظف حدود القرار، أم تجاوزها، أم ارتكب فعلاً شخصياً مستقلاً عنه؟
أسئلة تتكرّر ومحاسبة مؤجّلة: هذا النقاش ليس جديداً. ففي سنة 1967، بعد انهيار بنك إنترا، أشار بعض النواب إلى أن قانون النقد والتسليف يكفي لو طُبّق بصرامة، وسألوا عن الأرقام التي تبرّر تحميل الخزينة أعباء جديدة، وانتقدوا الاستعجال والتشريع المجزّأ. وبعد نحو ستين عاماً، يتكرّر السؤال عن كفاية النصوص وكيفية تطبيقها. فالمشكلة لا تُفسَّر بغياب التشريع وحده، بل تمتدّ إلى التنسيق بين الجهات التي تملك الرقابة والقرار، ومساءلتها عن استعمال صلاحياتها. ولهذا تسير المساءلة عن أسباب الأزمة جنباً إلى جنب مع معالجة نتائجها، فلا تحلّ إحداهما محل الأخرى، ولا تتوقف المعالجة على انتهاء المحاسبة.
يبقى جوهر النقاش في حدود التداخل بين الصلاحيات: ما يحتفظ به مصرف لبنان ومجلسه المركزي، وما تقرّره الهيئة ضمن اختصاصها، وما يُتخذ بعد استشارة أو توصية. ويتصل بذلك الفصل بين قرار معالجة المصرف وقرار تمويل المعالجة، عند الحاجة، وتحديد أثر الإمهال وتخفيف المتطلبات الرقابية في تقييم التعثّر، ومدى فعالية الرقابة القضائية في حماية الحقوق. ومع كل هذا الجدل حول الصلاحيات، يبقى أن أربعة أعضاء يجمعون بين عضوية المجلس المركزي وعضوية الغرفة الثانية. ولذلك، لا يكفي وضوح النصوص وتوزيع الاختصاصات؛ فحسن تطبيقها، ونزاهة الأعضاء واستقامتهم في ممارسة صلاحياتهم، وضبط تضارب المصالح ومنع استغلال السلطة لتحقيق منافع خاصة، تبقى شروطاً أساسية لنجاح الإصلاح، تدعمها رقابة ومحاسبة فعّالتان.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد