روسيا تحت العقوبات: كيف يحافظ اقتصادها على قوته رغم الحصار؟


هذا الخبر بعنوان "روسيا تحت العقوبات: لماذا يصعب الاستغناء عن اقتصادٍ يمكن محاصرته؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في خطوة لافتة، أصدرت وزارة الخزانة الأميركية في التاسع من تشرين الأول ترخيصاً يسمح بمعاملات محددة تتعلق ببيع الديزل الروسي وتسليمه واستيراده إلى الولايات المتحدة، وذلك حتى السابع من نيسان 2027. هذا القرار، الذي يأتي في سياق العقوبات المستمرة على موسكو، يثير تساؤلاً أعمق من مجرد تجارة الوقود: ما الذي يمنح الاقتصاد الروسي ثقلاً يصعب تجاوزه، حتى بالنسبة للدول التي تسعى لتقليل تعاملاتها معها؟
تكمن إحدى الإجابات في الفجوة الزمنية بين سرعة اتخاذ القرار السياسي والوقت اللازم لبناء البدائل الصناعية. فبينما يمكن تقييد التمويل أو الاستيراد بقرار تنظيمي، فإن تعويض طاقة إنتاجية متخصصة يتطلب استثمارات ضخمة، وخبرات متقدمة، وتراخيص معقدة، ويمتد تنفيذه لسنوات. خلال هذه الفترة، تحتفظ القدرات الروسية القائمة بقيمتها ومكانتها في حسابات المشترين.
يتجلى هذا بوضوح في قطاع الوقود النووي، الذي يحظى باهتمام أقل من النفط والغاز في النقاش العام. فوفقاً لوكالة الإمداد التابعة لـ"يوراتوم"، استحوذت روسيا على 22.55% من خدمات تخصيب اليورانيوم التي تسلّمتها شركات الكهرباء في الاتحاد الأوروبي خلال عام 2025. وعلى الرغم من تراجع هذه الحصة قليلاً، فقد ارتفعت الكميات الروسية المسلّمة بنحو 11.6% مقارنة بعام 2024، حسب حسابات تستند إلى الجداول الرسمية. هذا يعني أن تنويع مصادر الإمداد قد يتقدم، بينما يتزايد التعامل مع المورّد الروسي في الوقت نفسه.
يجب قراءة هذه الأرقام في سياقها؛ فهي تقيس خدمات صناعية محددة تتأثر بالعقود والمخزونات ومواعيد التسليم، ولا تعكس حصة روسيا من الكهرباء المنتَجة في أوروبا. لكنها تُظهر أن روسيا لا تزال لاعباً أساسياً في سلسلة إنتاج بالغة التعقيد، بعد سنوات من بدء العقوبات الواسعة. وتكشف هذه السلسلة عن العمق الصناعي الروسي، حيث تتطلب مراحل متعددة بين استخراج اليورانيوم واستخدامه وقوداً في المفاعل معرفة تقنية، وتجهيزات متخصصة، وقدرة تشغيلية. ولذلك، فإن الحصول على المادة الخام من بلد آخر لا يعوّض تلقائياً خدمات معالجتها وتخصيبها، مما يحول الخبرة المتراكمة إلى أصل اقتصادي تفوق قيمته قيمة المورد الطبيعي نفسه.
تُعطي خطط الشركات المنافسة فكرة عن الوقت اللازم لبناء البدائل. ففي حزيران، أعلنت شركة "يورنكو" عن توسعة كبيرة لقدراتها في الولايات المتحدة، على أن يبدأ الإنتاج عام 2032. كما تعمل الشركة على توسعة أخرى أقرب أجلاً يُتوقع إنجازها في 2027. وتُظهر هذه المواعيد أن البدائل تتقدم فعلاً، لكن توسيع القاعدة الصناعية عملية تمتد لسنوات. ومن هذه الزاوية، تصبح الاستثمارات المخصصة لتنويع الإمدادات مؤشراً على القيمة الاقتصادية للقدرات الروسية القائمة. فالمشتري الذي يسعى لتقليص اعتماده عليها مضطر لتمويل القدرة البديلة، وضمان تشغيلها واستمراريتها، وتحمّل مخاطر تنفيذها. لذلك، لا يُقاس الاستقلال الصناعي بما تقرره الحكومات فحسب، بل بما يمكن إنتاجه وتسليمه فعلاً.
ويرتبط الصمود الروسي أيضاً بالقدرة على إعادة توجيه الأسواق. فقد نقلت "رويترز" عن نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك أن صادرات بلاده النفطية بلغت 238 مليون طن في 2025، مقابل 240 مليوناً في 2024، ذهب نحو 80% منها إلى الصين والهند. وتدعم هذه الأرقام قراءة مفادها أن روسيا تكيّفت عبر الحفاظ على حجم صادراتها وتغيير وجهاتها، وإن ظلت إيراداتها رهينة الأسعار والخصومات وكلفة النقل. أما بالنسبة لأوروبا، فالدرس هو أن تقليص المشتريات المباشرة لا يعني بالضرورة التحرر من تأثير الإنتاج الروسي. ففي الأسواق المترابطة، يتنافس المشترون على الإمدادات البديلة، وتبقى الأسعار مرهونة بتوازن العرض العالمي. وبذلك تستطيع روسيا الحفاظ على وزن اقتصادي يتجاوز علاقاتها التجارية المباشرة مع القارة.
غير أن هذا الوزن لا يمنح موسكو حصانة دائمة. فتنويع الموردين، وتطوير التقنيات، وتوسيع المصانع عوامل تغيّر موازين السوق مع الوقت. إلا أن هذا الواقع يجعل من سرعة بناء البدائل وكلفتها عاملين حاسمين في تحديد هامش المناورة المتاح لموسكو، وفي تفسير استمرار التعامل معها في قطاعات بعينها. لذلك، يستدعي الصمود الروسي قراءة تنطلق من المصانع والخبرات والبنية التجارية التي راكمتها البلاد. فالدولة التي تملك قدرات يحتاج الآخرون إلى وقت ورأس مال لتعويضها، تحتفظ بأوراق اقتصادية وتفاوضية حتى في ظل القيود. وبين إعلان الاستغناء وتحقيقه فعلاً، يبقى الزمن الصناعي من أكثر المقاييس دلالة على قوة روسيا.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد