عقد من الهجمات على المسيحيين في الشرق الأوسط: تذكير بأمن المجتمعات والتعايش المشترك


هذا الخبر بعنوان "خلال عقد… أبرز الهجمات التي استهدفت المسيحيّين في الشّرق الأوسط" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يُذكّر الهجوم الأخير في الأردن بأن العنف الذي يستهدف مجتمعاً واحداً يمكن أن يؤثر على شعور المجتمع بأسره بالأمن والثقة. لذلك، فإن الحفاظ على الروابط التاريخية بين المسلمين والمسيحيين ليس شأناً يخص الأقليات الدينية وحدها، بل هو جزء من حماية المستقبل المشترك للشرق الأوسط.
الهجوم الدامي على مشيّعين في كنيسة مار جاورجيوس في بلدة حمود بمحافظة الكرك هزّ الأردن وأثار مخاوف بشأن أمن المجتمعات المسيحية في المنطقة، حيث تهدّد أعمال العنف الأرواح وأماكن العبادة، فضلاً عن تاريخ طويل من التعايش بين المسلمين والمسيحيين. أعاد الهجوم المسلّح على مشيّعين خلال جنازة في كنيسة مار جاورجيوس، وهي كنيسة للروم الأرثوذكس في محافظة الكرك جنوب الأردن، يوم الجمعة 23 تشرين الأول، إحياء المخاوف من الإرهاب في المملكة، وطرح تساؤلات بشأن تداعياته المحتملة على العلاقات بين المسلمين والمسيحيين. وقالت مديرية الأمن العام الأردنية إن ستة أشخاص قُتلوا وأُصيب 28 آخرون، بعدما كانت وسائل إعلام رسمية قد أفادت في وقت سابق بمقتل سبعة أشخاص. ونقل التلفزيون الرسمي عن شهود قولهم إن مسلّحَين وصلا بسيارة وأطلقا النار على المشيّعين قبل أن يلوذا بالفرار. ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم، فيما لا تزال هويات المنفذين ودوافعهم غير واضحة.
وأعاد الهجوم إلى الأذهان ذكريات مؤلمة في الكرك، حيث أسفر هجوم دموي في كانون الأول/ديسمبر 2016 عن مقتل عشرة أشخاص، بينهم سبعة من أفراد الأجهزة الأمنية وسائحة كندية. وفي أيلول من العام نفسه، اغتيل الكاتب والسياسي المسيحي البارز ناهض حتر أمام محكمة في عمّان على يد متطرف. وكان حتر قد وُجّهت إليه تهمة الإساءة إلى الإسلام بعد نشره رسماً كاريكاتورياً على فايسبوك قال إنه يسخر من تنظيم «الدولة الإسلامية» ومفهومه عن الله والجنة. لكن دلالات الهجوم الأخير تتجاوز ذكريات العنف هذه. فالمسيحيون متجذّرون تاريخياً في الأردن، ولا سيما في الكرك والبلقاء وعجلون ومادبا، ويشكّلون جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي والوطني للمملكة. وغالباً ما تقع الكنائس والمساجد على مسافة قريبة بعضها من بعض، فيما يتشارك المسلمون والمسيحيون الأحياء وأماكن العمل ومناسبات الفرح ولحظات الحزن. وأثار إطلاق النار في كنيسة حمود مخاوف أوسع بشأن احتمال أن تقوّض أعمال العنف الروابط بين المجتمعات التي عاشت إلى جانب بعضها بعضاً على مدى طويل. وقال المدير التنفيذي لمؤسسة «مسارات» الأردنية للتنمية والتطوير، طلال غنيمات، لـ«النهار»، إن الهجوم بدا كأنه يستهدف إضعاف العلاقة بين المسلمين والمسيحيين وجرّ الأردن إلى أجواء انعدام الأمن التي تشهدها المنطقة. لكنه شدّد على أن العلاقة بين المجتمعين متجذّرة ومتينة.
وتتجاوز هذه المخاوف الأردن. فقد واجهت المجتمعات المسيحية في أنحاء الشرق الأوسط هجمات إرهابية وتهديدات ونزوحاً وأعمال عنف في سياق صراعات أوسع. وعلى الرغم من اختلاف الظروف والدوافع، فإن الهجمات على الكنائس والمجتمعات الدينية قد تؤجّج الخوف وانعدام الثقة، وتضع التعايش الذي طبع مجتمعات المنطقة على مدى قرون تحت الضغط.
تستحوذ سوريا على الحصة الأكبر من الحوادث التي يتناولها هذا العرض الإقليمي، مع تسجيل هجمات على كنائس ومجتمعات ذات غالبية مسيحية في ظل استمرار انعدام الأمن والتوترات. في 22 حزيران 2025، استهدف تفجير انتحاري كنيسة مار إلياس للروم الأرثوذكس في منطقة الدويلعة، على أطراف دمشق، خلال قداس الأحد، ما أسفر عن مقتل 25 شخصاً على الأقل وإصابة العشرات. وعزت السلطات السورية التفجير إلى تنظيم «الدولة الإسلامية»، الذي لم يعلن مسؤوليته عنه، فيما قالت مجموعة تطلق على نفسها اسم «سرايا أنصار السنّة» إن أحد أعضائها نفّذ الهجوم، وفق تقارير نُشرت حينها. وكان الهجوم من بين أكثر الاعتداءات دموية على دور العبادة المسيحية في سوريا خلال السنوات الأخيرة. وامتد العنف أيضاً إلى بلدات ذات غالبية مسيحية. ففي أواخر آذار 2026، شهدت السقيلبية في محافظة حماة موجة عنف إثر خلاف بين سكان البلدة وسكان بلدة قلعة المضيق المجاورة. وأفادت تقارير بأن عشرات المسلّحين هاجموا منازل ومحال تجارية وسيارات، ما أثار مخاوف بشأن حماية السكان وممتلكاتهم. وسُجّلت أعمال عنف جديدة في 3 تشرين الأول ، حين أطلق مسلّحون النار على منازل وألحقوا أضراراً بالممتلكات إثر مشادة أخرى شملت شباناً من البلدة وقرية مجاورة. وقال كاهن أرثوذكسي إن مسلّحين أطلقوا النار عليه وعلى سيارته، لكنه نجا من دون إصابة. وعلى الرغم من أن التقارير ربطت أعمال العنف في السقيلبية بخلافات محلية، فإن تكرار الحوادث عمّق مخاوف السكان على أمنهم وقدرة السلطات على منع هجمات جديدة. ولا يقتصر التحدي على حماية الكنائس ومنع العنف المتطرف، بل يشمل أيضاً ضمان ألا تتحول التوترات المحلية إلى انقسامات دائمة بين المجتمعات.
في مصر، قالت مطرانية الجيزة للأقباط الأرثوذكس إن رجلاً دخل كنيسة السيدة العذراء في منطقة برك الخيام بالجيزة صباح 22 تشرين الأول 2026، حاملاً مادة البنزين، وأضرم النار في أجزاء من داخل الكنيسة. وأُلقي القبض على مشتبه به، ولم تُسجّل إصابات. ولم تُعلن دوافع الرجل بصورة واضحة حتى الآن. وشهدت مصر أيضاً هجمات دامية استهدفت المصلّين المسيحيين مباشرةً. ففي أحد الشعانين، 9 نيسان 2017، استهدف تفجيران انتحاريان كنيسة مار جرجس في طنطا والكاتدرائية المرقسية في الإسكندرية، ما أسفر عن مقتل أكثر من 40 شخصاً. وأعلن تنظيم «الدولة الإسلامية» مسؤوليته عن الهجومين المنسّقين. وشدّدت هذه الحوادث على ضرورة حماية دور العبادة ومنع استغلال العنف لتأجيج الانقسامات داخل المجتمع المصري.
داخل كنيسة مار إلياس، حيث فجّر انتحاري نفسه في منطقة الدويلعة بضواحي دمشق، سوريا، الأحد 22 يونيو 2025 (أسوشيتد برس)
في غزة، تعرّض مجمّع كنيسة العائلة المقدسة الكاثوليكية في مدينة غزة، حيث لجأ فلسطينيون نازحون بحثاً عن ملاذ آمن، لقصف بقذيفة هاون إسرائيلية في 17 تموز 2025. وأسفر الهجوم عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة آخرين. وقالت إسرائيل إن الكنيسة أُصيبت نتيجة انحراف غير مقصود للذخائر. ولم يثبت أن الحادثة كانت هجوماً متعمداً على المسيحيين، لكنها سلّطت الضوء على المخاطر التي تواجه المدنيين الذين يحتمون داخل المجمّعات الدينية، وعلى هشاشة وضع المجتمع المسيحي الصغير في غزة في ظل الحرب.
في العراق، هاجم مسلّحون كنيسة سيدة النجاة للسريان الكاثوليك في بغداد خلال قداس في 31 تشرين الأول 2010، واحتجزوا المصلّين رهائن. وأسفرت عملية الحصار الأمنية التي تلت ذلك عن مقتل العشرات، بينهم مصلّون ورجال دين. وأعلن تنظيم «دولة العراق الإسلامية»، المرتبط بتنظيم «القاعدة»، مسؤوليته عن الهجوم وأصبحت المجزرة محطة مفصلية في تاريخ العنف والنزوح اللذين عانى منهما المسيحيون العراقيون. وأجبرت هجمات لاحقة، ولا سيما خلال صعود تنظيم «الدولة الإسلامية»، عائلات كثيرة على مغادرة منازلها، وألحقت أضراراً بالمجتمعات والمؤسسات التي حافظت على وجودها لأجيال.
تختلف الحوادث في ظروفها والجهات التي تقف وراءها. فبعضها كان هجمات إرهابية استهدفت المصلّين المسيحيين مباشرةً، فيما وقع بعضها الآخر في سياق خلافات محلية أو صراعات مسلّحة أوسع. ولا ينبغي تقديمها على أنها دليل إلى حملة إقليمية منسّقة واحدة. لكن هذه الحوادث تسلّط الضوء على مصدر قلق مشترك: فأمن المجتمعات المسيحية لا ينفصل عن مسألة التعايش الأوسع في الشرق الأوسط. فقد تقاسم المسلمون والمسيحيون المدن والأحياء والتقاليد والحياة العامة في أنحاء المنطقة على مدى قرون. ولم يخلُ هذا التاريخ من التوترات أو أوجه عدم المساواة، لكنه لا يزال جزءاً مهماً من النسيج الاجتماعي للمنطقة. وعندما يستهدف العنف كنيسة أو مجتمعاً ذا غالبية مسيحية، قد تتجاوز تداعياته الخسائر البشرية والأضرار المادية المباشرة. فهو قد يولّد الخوف ويغذّي الشكوك ويضغط على العلاقات بين المجتمعات الدينية، حتى عندما لا تتوافر أدلة إلى أن إثارة الانقسام الطائفي كانت هدف المنفذين. وفي الأردن، سيكون تحديد دوافع الهجوم على كنيسة حمود أمراً أساسياً لفهم ما جرى. كما ستكون طريقة التعامل معه مهمة، من خلال حماية المجتمعات ومحاسبة المسؤولين عن الهجوم ومنع المعلومات غير المؤكدة من تأجيج التوترات. وتتجاوز المهمة في المنطقة حماية دور العبادة بعد وقوع الهجمات، لتشمل ضمان قدرة الناس على ممارسة شعائرهم الدينية والبقاء في مجتمعاتهم التاريخية من دون خوف. ويتوقف مستقبل التعايش على قدرة الدول على ضمان الحماية المتساوية والعدالة لجميع المواطنين، بصرف النظر عن دينهم. ويذكّر الهجوم في الأردن بأن العنف الذي يستهدف مجتمعاً واحداً قد يؤثر في شعور المجتمع بأسره بالأمن والثقة. لذلك، فإن الحفاظ على الروابط التاريخية بين المسلمين والمسيحيين ليس شأناً يخص الأقليات الدينية وحدها، بل هو جزء من حماية المستقبل المشترك للشرق الأوسط.
سياسة
سياسة
اقتصاد
سياسة