تنويه
هذا الخبر بعنوان "أفلاطون والتقليد الأسطوري في الفكر السياسي" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ضمن سلسلة "ترجمان"، كتاب جديد بعنوان "أفلاطون والتقليد الأسطوري في الفكر السياسي" (Plato and the Mythic Tradition in Political Thought)، للمؤلفة تاي-يوون كيوم، وترجمة حازم نهار. يتناول الكتاب العلاقة المعقدة بين الأسطورة والعقل، متجاوزًا الصورة النمطية لأفلاطون كمؤسس لمشروع فلسفي يقصي الأسطورة. تجادل المؤلفة بأن الأساطير التي استخدمها أفلاطون في محاوراته هي جزء لا يتجزأ من مشروعه الفلسفي، وأن تأثيرها امتد إلى مفكرين بارزين في الفلسفة الحديثة.
يطرح الكتاب سؤالًا جوهريًا حول كيفية التعامل مع السرديات والرموز التي تشكل فهمنا لأنفسنا وللعالم، وتؤثر في حياتنا السياسية، دون التسليم بسلطتها أو إنكار حضورها. يميز الكتاب بين "الأسطورة الأدبية" كحكاية خيالية، و"الأسطورة العميقة" كإطار ضمني للمعنى يوجه تصورات الناس ويحدد ما يعتبرونه طبيعيًا أو ممكنًا. هذه الأطر ليست حكرًا على المجتمعات القديمة، بل تستمر في الثقافة والسياسة الحديثتين، وتتجلى في الصور النمطية والسرديات الجماعية والافتراضات الموروثة.
تؤكد المؤلفة أن دحض معلومة خاطئة لا يكفي للتخلص من تأثير هذه الأطر، لأنها تستمد قوتها من ارتباطها بالهوية والعاطفة والعادات الإدراكية. وتبحث في قدرة الأساطير الأدبية على التأثير في هذه المستويات العميقة وإعادة تشكيلها، مما يفتح آفاقًا للتفكير النقدي لا يوفرها الاستدلال المباشر وحده.
يتألف القسم الأول من الكتاب من ثلاثة فصول. يتناول الفصل الأول ثلاث أساطير من "الجمهورية" لأفلاطون: أسطورة المعادن، وأسطورة الكهف، وأسطورة إر. تدرسها المؤلفة كحلقات مترابطة ضمن مشروع فلسفي يبحث في الطبيعة البشرية ودور التربية. وتكشف عن نمط مشترك بينها يتمثل في الانتقال من حالة شبيهة بالحلم إلى الاستيقاظ على واقع جديد، مما يساعد في إعادة النظر في طبيعة الفرد وقابليته للتحول بالتعليم والممارسة. الأساطير هنا لا تخاطب عامة المواطنين فحسب، بل تساهم أيضًا في تشكيل فهم الفلاسفة لذواتهم وأدوارهم.
ينتقل الكتاب في الفصل الثاني إلى توماس مور وفرانسيس بيكون، متتبعًا حضور الأساطير المؤسسة في كتابي "يوتوبيا" و"أتلانتس الجديدة". قصص نشأة المجتمع ومؤسساته تحدد قيمه وهويته، وتمنح نظامه السياسي الاستمرارية، وتوفر بيئة حاضنة للنشاط الفلسفي والعلمي. يدرك بيكون خصوصًا قدرة الصور المألوفة على تقريب الأفكار الجديدة وتهيئة المجتمع لتقبل المعرفة، فالتقدم العلمي يحتاج إلى شروط ثقافية واجتماعية تحفظ منجزاته.
أما الفصل الثالث، "أسطورةٌ من عصر التنوير: لايبنتز وحدود العقل"، فيتناول "الحكاية الصغيرة" التي يختتم بها لايبنتز كتابه "الثيوديسيا". تعرض الحكاية عوالم ممكنة داخل "قصر الأقدار" لتوضيح اعتقاد مفاده أنّ عالمنا هو أفضل العوالم الممكنة. تتناولها المؤلفة بوصفها معالجة للتوتر بين طموح العقل إلى المعرفة الشاملة ومحدودية القدرة البشرية على بلوغها. فالأسطورة تمنح تصورًا تخييليًّا لما يتعذر الإحاطة به فعليًا، وتكشف في الوقت نفسه الطابع البشري والمشروط لهذا التصور.
في القسم الثاني، "الأسطورة والحداثة"، تتناول المؤلفة "المثالية الألمانية"، وتتتبع مشروع "الميثولوجيا الجديدة" لدى فريدريش فيلهلم جوزيف شيلينغ وفريدريش شليغل ويوهان كريستيان فريدريش هولدرلين وغيرهم. سعى هذا المشروع إلى معالجة التوتر بين تماسك الجماعة وحرية أفرادها، من خلال رموز وتعبيرات جمالية مشتركة تصل بين العقل والشعر. يبرز طموح هذا المشروع إلى تجاوز الانقسام بين الفلاسفة وغير الفلاسفة، بما يتيح للأفراد المشاركة في إنتاج عالمهم الرمزي.
يبلغ البحث ذروته مع إرنست كاسيرر، الذي واجه توظيف الفاشية للأساطير والطقوس والسرديات العنصرية. على الرغم من نقده للأسطورة السياسية الحديثة، ظل يحتفي بأساطير أفلاطون وبقدرتها على خدمة التحرر الفكري. توضح المؤلفة أن الأسطورة الفلسفية، حين تعي حدودها وتظل مفتوحة للتأويل والمراجعة، تستطيع تفكيك الأفكار الجامدة. لكن التمييز بين الأساطير المحررة والمقيدة يظل مهمة صعبة، تتطلب يقظة نقدية متواصلة.
تخلص المؤلفة إلى أن السياسة لا تستطيع الاستغناء تمامًا عن الأطر التخييلية التي تمنح التجربة الإنسانية معناها. المطلوب هو الاعتراف بقوتها، وفحص مخاطرها، وإعادة صوغها عندما تعوق الحرية تجارب الآخرين أو تحجبها. ويقتضي ذلك ثقافة يقظة لا تترك صناعة الرموز والسرديات حكرًا على أصحاب السلطة. يبرز الكتاب أهمية توسيع فهمنا للعلاقة بين الفلسفة والأسطورة، ودور النقد والخيال في مراجعة التصورات التي تنظم حياتنا المشتركة.
أخبار ذات صلة
ثقافةرقص النجوم وبهجة استثنائية: نظرة على كواليس ختام مهرجان الجونة السينمائي
ثقافة«عروس قونيا»: رواية رشا دندشلي تعيد قراءة علاقة شمس الدين التبريزي والرومي من منظور الطفلة كيميا
ثقافةبشار العيسى يستحضر الطفولة والمنفى في سيرة ذاتية مؤثرة ومراسلات تكشف خلافات المعارضة السورية
ثقافة
