«عروس قونيا»: رواية رشا دندشلي تعيد قراءة علاقة شمس الدين التبريزي والرومي من منظور الطفلة كيميا


هذا الخبر بعنوان "عروس قونيا لرشا دندشلي... كيميا تعيد محاكمة شمس التبريزي والرومي" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتساءل رواية «عروس قونيا: محاكمة شمس التبريزي» للكاتبة رشا مختار دندشلي، الصادرة عن دار الفارابي، عن الغاية الروحية السامية ومدى قدرتها على تبرئة ما يحدث في سبيل تحقيقها. تتناول الرواية حكاية التصوف الإسلامي الشهيرة، لكنها تركز هذه المرة على شخصية هامشية في التاريخ، وهي الطفلة كيميا خاتون، التي مرت بحكاية جلال الدين الرومي وشمس التبريزي. لا تهدف دندشلي إلى تقويض أسطورة الرجلين، بل تسعى إلى تغيير زاوية النظر إليهما، مما يكشف عن التكلفة الإنسانية للعشق الذي اعتبرته القرون طريقاً إلى المطلق، وذلك من منظور الطرف الأضعف.
تستعيد دندشلي في روايتها قصة على الهامش، ظلت منسية وخافتة الصوت، حيث تمنح «السكوت قلماً» لكيميا خاتون. تستكشف الرواية ما شعرت به طفلة وجدت نفسها في خضم صراع أكبر من عمرها، وما يعنيه أن يصبح جسدها ومصيرها جزءاً من علاقة روحية بين رجلين. من خلال هذا المنظور، تصبح كيميا اختباراً أخلاقياً للسردية بأكملها.
تدخل الرواية عالم التصوف من داخله، مستعرضة مراتب النفس، ومجاهدتها، والشريعة والطريقة والمعرفة والحقيقة، والتحول الذي طرأ على الرومي بعد لقائه شمس. وفي موازاة هذا الصعود الروحي، تطرح الرواية سؤالاً جوهرياً: ماذا لو كان الإنسان يرتقي في مدارج الروح، لكنه لا يرى الألم القريب منه؟ تتجاوز الرواية بذلك محاسبة شخص بعينه إلى مساءلة الحصانة التي تمنحها الأجيال اللاحقة للرموز، وكيف تتحول هذه الرموز إلى أيقونات يصعب النظر إلى تناقضاتها.
تتجاوز الرواية القرن الثالث عشر لتظهر كيميا أخرى في الحاضر، وهي مخرجة وثائقية مثقلة بصور المأساة في غزة، تقودها أزمتها النفسية إلى دهاليز الذاكرة واللاوعي. تربط الرواية بين المرأتين، واحدة قُصّت حياتها من متن التاريخ، وأخرى تقص صور الضحايا لتصنع منها فيلماً يحفظهم من النسيان. تستكشف الرواية سؤال الذاكرة: ماذا يحدث حين يشاهد الإنسان من آلام الآخرين أكثر مما تحتمل ذاته؟
تستعين دندشلي بمفاهيم كارل يونغ، مثل الظل واللاوعي الجمعي، لكن البعد النفسي الأكثر إثارة يكمن في سؤال أعمق: لماذا يحتاج الإنسان أحياناً إلى حكاية حياة أخرى كي يفهم حياته؟ في خاتمة الرواية، تدرك كيميا أن ما عاشته لم يستغرق سوى خمس وعشرين دقيقة، وبعد عبور ثمانية قرون، تتجه إلى باب الطبيبة النفسية مستعدة للحديث عن طفولتها ومخاوفها. تصبح الرحلة إلى القرن الثالث عشر طريقاً طويلاً للعودة إلى الحاضر، وتصبح «الحياة السابقة» مجازاً يحتاج إليه العقل ليقترب من جرح لا يستطيع مواجهته مباشرة.
تجمع الرواية بين التاريخ والتصوف وعلم النفس والفلسفة والدين والفيزياء، وتدرك الكاتبة خطر أن «تلتهم الأفكار الفلسفية انسيابية الحكاية الإنسانية». تكون الرواية أقوى حين تثق بالمشهد أكثر من الشرح. تمنح ندرة المعلومات التاريخية عن كيميا حرية تخييل مصيرها، مع الحذر من تحويل الفراغ التاريخي إلى يقين مضاد. فالأدب يستطيع مساءلة الرواية الموروثة، لكنه لا يمتلك بالضرورة الحقيقة التي حجبها الزمن.
في جوهرها، تبدو «عروس قونيا» رواية عن سلطة السرد: من يتحول ألمه إلى تاريخ، ومن يبقى هامشاً فيه؟ تتجاور قونيا وغزة من دون أن تتماثلا، فتبحث الرواية في الحالتين عن الفرد الذي تحجبه السرديات الكبرى. تستعيد دندشلي كيميا القديمة من بضعة أسطر تركها لها التاريخ، وتعيد كيميا المعاصرة حفظ صور من قد يتحولون إلى أرقام. بعد ثمانية قرون، لا تستطيع الرواية الجزم بما جرى في قونيا، لكنها تستطيع إعادة كيميا إلى مجال النظر، وتزيح حجاب الأسطورة عن ضحاياها، لتترك سؤالها الأشد وقعاً: من بقي في الظل كي يسطع ذلك النور؟
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة