من جندي هولندي إلى مقيم في الجنوب: قصة كريس لارهوفن بين الحرب والحب والصدمة


هذا الخبر بعنوان "بالفيديو: أَسر جندي هولندي في الجنوب... بين الحرب والحب" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
ظنَّ كريس لارهوفن، القادم من هولندا، أن مهمته ضمن قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة ستنتهي بتبديل دوري للجنود وعودته إلى بلاده شاباً لم يتجاوز العشرين، حاملاً ذكريات عن مغامرة هادئة في بلد عربي صغير. لكن رحلة الاستجمام التي صوّرها الجيش لجنوده لم تكن كذلك على أرض الواقع. فالحياة في الجنوب اللبناني، المثقل بالحروب والمآسي الاقتصادية والاجتماعية، تحولت إلى كوابيس في ذهن الجندي الشاب، وأصيب بعدها بما يُعرف بـ"اضطراب ما بعد الصدمة" (PTSD) إثر الأهوال التي شاهدها. والجنوب الذي صَدَم الهولندي الشاب، تحوَّلَ إلى العلاج الذي جعله يرى "الصورة ملوَّنة من جديدة". ليبدأ كريس في الجنوب رحلة جديدة، مع زوجة وابنة والكثير من الأصدقاء... والحروب المستجدّة.
في أحد المقاهي القريبة من مرفأ مدينة صور، يحاول بعض الشبّان التحدّث إلى رجل ستّيني، بخليط كلمات عربية وانكليزية وفرنسية. ترتفع الضحكات، ويعلو الترحيب بـ"كريس الأجنبي"، كما ارتضى لنفسه هذا الاسم، على كثرة ما استعمله الشبّان في صور للتعريف بضيفهم الهولندي. رافق هذا الوصف كريس حتى بات جزءاً من هويّته. "سمّيت نفسي، أجنبي"، يقول في حديث لـ"المدن"، وهذا الأجنبي يعيش في منطقة صور منذ نحو 22 عاماً. لكنّه لم يتعلّم العربية بطلاقة، ويعترف بأنّه "كسول". لكن الجنوبيين يحملون جزءاً من المسؤولية بالنسبة إليه، لأنّهم "شعب يتواصل مع الآخرين بأي طريقة كانت. بقليل من الانكليزية أو الفرنسية أو الألمانية أو إشارات اليدين أو نبرة الصوت، فيُفهَم الموضوع، ويخرج الكل سعيداً بهذا التواصل".
جاء "الأجنبي" إلى الجنوب للمرة الأولى في كانون الأول 1981، حين كان في الـ19 من عمره، مدفوعاً بشغف المغامرة بعد إنهاء مرحلة الدراسة الثانوية. وفي الجنوب، عرف الأجنبيّ قرى المنصوري، زبقين، شيحين، شمع، طيرحرفا وغيرها من المناطق التي جالت فيها آليات قوات حفظ السلام، والتي يحفظها عن ظهر قلب حتى الآن، ويحفظ الكثير من عائلاتها وحاراتها وشوارعها.
صورة بالأبيض والأسود
ساعد قرار عدم إكمال الدراسة، بالإضافة إلى شغف البحث عن مغامرة ومعلومات الجيش في هولندا، في رسم صورة هادئة للبنان في ذهن لارهوفن ورفاقه ممّن اختاروا العمل في لبنان. لكن الصورة الجميلة تبدّلت سريعاً منذ لحظة وصول الطائرة إلى مطار بيروت. ويشير لارهوفن إلى أنّه "مع وصول الطائرة إلى أرض المطار، بدأنا نسمع أصوات القصف والرصاص، وأدركت حينها أنّ الوضع هنا ليس مثل الفيلم الذي أظهره لنا الجيش قبل مجيئنا. بل كانت صدمة حضارية. وما رأيناه في لبنان هو حرب أهلية، بداخلها صراع مع الجيران (إسرائيل). وكنا قد التمسنا على وجوه رفاقنا العائدين إلى هولندا، ما قد نواجهه في لبنان، إذ كانت وجوههم مثل وجوه الزومبي (الأموات الأحياء) وبعض الجنوب كانوا في عمر الـ17 عاماً، وتوجّبَ على أهلهم التوقيع على موافقة قدومهم إلى لبنان".
من مطار بيروت، توجّه الجنود في شاحنات إلى الجنوب "وعلى الطريق كنا نرى مشاهد الدمار الرهيبة". وهناك، بدأت رحلة غيّرت الكثير في حياة الجندي الهولندي الذي كانت مهمّته قيادة سيارة الإسعاف. ومن خلال مهمّته، شاهد الأطراف المقطّعة والأشلاء. ومع الوقت، كانت تتحوَّل الصورة الجميلة للمهمّة في لبنان إلى صورة بالأبيض والأسود. الرحلة لم تدم طويلاً، لكنّها كانت كافية لتترك صدمة كارثية، ليس في ذهن لارهوفن فقط، بل في أذهان مئات الجنود الذين أصيبوا بـ"اضطراب ما بعد الصدمة PTSD"، كما يقول لارهوفن الذي يؤكّد أنّ "نحو 10 بالمئة من الجنود الهولنديين الذين خدموا في لبنان في تلك الفترة، أصيبوا باضطراب ما بعد الصدمة، وحملوا ذلك إلى بلادهم، وعانوا مع عائلاتهم وأطفالهم، وباتوا عنيفين جداً، فأثّر ذلك على علاقتهم بعائلاتهم وأولادهم".
وعلى نحو شخصي، عاد لارهوفن إلى هولندا قبل فترة وجيزة من الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982.
استعادة الألوان
رغم سوداوية المشهد العام، كان هناك الكثير من بقع الضوء التي تركتها علاقة الجنوبيين بجنود قوات حفظ السلام. ووفق لارهوفن "كنا نساعد السكان المحليين من خلال عملنا في الإسعاف. ومع الوقت، توطّدت العلاقة وباتوا يدعوننا لشرب الشاي. وبعض الشبّان كانوا يهرّبون لنا عبوات البيرة، لأنّه كان يُمنع علينا كجنود شرب البيرة أثناء الخدمة". ورغم اختلاف اللغة وعدم انتشار التعليم قياساً مع اليوم، "كان التواصل ممكناً كيفما اتّفق، وبالإشارات وبعض العبارات. وكنا نتواصل مع تلامذة المدارس الذين كانوا بعمر الـ14 عاماً تقريباً، إذ كانوا يعرفون اللغات الأجنبية". وأبعد من ذلك، "الوقت المذهل الذي قضيناه مع الناس البسطاء على طبيعتهم، جعلني أقرأ الكثير عنهم. فقبل 44 عاماً، لم أكن قد رأيت مسلماً من قبل، ولم أكن أعرف شيئاً عن الشيعة والسنّة والدروز. وفي الجنوب، رأيت لأوّل مرة المخيمات الفلسطينية، وعبرها قرأت عن النكبة وعرفت ما جرى. وساعدني ذلك في تغيير الصورة الداعمة لإسرائيل، والتي كانت تنتشر بين أهلنا في هولندا".
العلاقة الطيّبة مع الجنوبيين لم تخفّف الحمل الثقيل. فحاولَ لارهوفن في هولندا نسيان ما رآه من دمار وقتل في الجنوب. لكن العمل المجهد لم يفلح بمحو الذاكرة أو التعامل معها. ورغم زيارة بلدان أخرى مثل تونس وقبرص، بقي الوضع النفسي سيئاً "وكانت مشاهد الجنوب تدور في ذهني، وكنت دائماً أتوجه بحثاً عن لبنان الذي أدركت أنّني أدمنته، لكنّي لم أرغب في العودة". ومن العام 1982 حتى العام 2003، كانت المشاعر والمخاوف تشتعل في قلب لارهوفن. وعندما رشّحه الجيش ليكون بطل وثائقي تلفزيوني عن تجربة أحد الجنود الذين خدموا في لبنان وأصيبوا بالصدمة، تردّد لارهوفن في المشاركة، لأنّها تنطوي على زيارة لبنان والذهاب إلى القرى الحدودية واستعادة مشاهد ومشاعر تلك الفترة. وبين الاستمرار بالصدمة ومحاولة الخروج منها، كان القرار بالمشاركة والتوجّه إلى الجنوب. وبعد أكثر من 20 عاماً، عاد لارهوفن بمزيد من الوعي والنضوج، ليرى الصورة الملوّنة للجنوب "فرأيت فرح الناس، وأدركت أنّ الصورة باتت ملوّنة وجميلة".
اكتمال الفرح
بعد مواجهة الواقع واختلاف الألوان، باتت زيارة لبنان محطّة أساسية في حياة لارهوفن. وفي إحدى الزيارات إلى مدينة صور، تعرّف لارهوفن إلى "فاطمة"، الشابة التي سيتزوّجها لاحقاً، وينجبان نتاليا. ومع أنّ نتاليا تتابع دراستها اليوم في هولندا، وترافقها فاطمة، إلاّ أنّ لارهوفن فضّل البقاء في صور. واللافت للنظر، أنّ الحروب لم تمنعه من البقاء في الجنوب، فشهد لارهوفن حرب العام 2006، ويعيش اليوم جولات الحرب المستمرة منذ العام 2023، ويعمل على توثيق الاعتداءات الإسرائيلية ونشرها عبر الإعلام الأوروبي والعالمي، ويبدي أسفه لما يحصل في القرى الحدودية، وخصوصاً التي عمل فيها في الثمانينيات، ومنها المنصوري التي يقشعرّ بدنه عندما يأتي على ذكرها.
العودة إلى لبنان والزواج من لبنانية، كان جزءاً هاماً من رحلة الفرح عند لارهوفن. لكن هناك وجه آخر من الفرح، وهو استمرار التعلّم من الجنوبيين "خصوصاً أهل القرى الذين أحبّ أن أتعلّم من حكمتهم ومعرفتهم الطبيعية التي لم تأتِ من الجامعات أو الكتب المعدّة مسبقاً". والعلاقة مع الجنوبيين لا تقتصر على التعلّم منهم فقط، بل أيضاً خوض مواقف محرجة أحياناً. إذ يظنّ البعض بأنّه سائح أجنبي لا يفهم العربية "فيشتمني أحدهم أحياناً، فأقول له باللغة العربية: انتبه أنا أفهم العربية، فيصاب هو بالإحراج. لكن مع ذلك، هذا أمر لا يزعجني". ومع أنّه يفهم القليل من اللغة العربية، إلاّ أنّ لارهوفن لا يجد مشكلة في عدم بذل مجهود كبير في تعلّم اللغة لأنّ "الجنوبيين يدفعونه إلى الكسل، ففي الشارع تجد من يفهم الانكليزية والفرنسية والألمانية، أو يمكن إكمال أي حوار عبر مزيج من الكلمات والإشارات، وينقضي الأمر". ورغم السنوات الكثيرة التي قضاها في الجنوب، لا يزال لارهوفن يرى لبنان "بلداً معقّداً جداً. وكلّما ظننت أنّني فهمته، أجد نفسي أمام الكثير لأتعلّمه هنا".
وفي مقابل ما تعلّمه وأخذه من لبنان والجنوب تحديداً، أراد لارهوفن ردّ الجميل عن طريق تأسيسه في العام 2005 جمعية تحت اسم "لم الشمل مع لبنان"، هدفها استمرار التواصل بين الهولنديين ولبنان، خصوصاً قدامى الجنود الذين عملوا في لبنان سابقاً، وتعريف الهولنديين على لبنان، وعلى الصورة المغايرة التي ترسم في الغرب عن لبنان. والجمعية بحسب لارهوفن "ساعدت قدامى المقاتلين الهولنديين في استعادة حياتهم الطبيعية وتصحيح علاقاتهم مع عائلاتهم وتحديداً أولادهم، بعد علاقة عنيفة إثر الصدمات التي عاشوها في الجنوب سابقاً".
يعيش لارهوفن ابن الـ64 عاماً في مدينة صور ومحيطها، حيث أسَرته طيبة الجنوبيين وحكمتهم وبساطتهم، وأسره الحب أيضاً. وبات يعرف الكثير عن الجنوبيين والصراع العربي الإسرائيلي، وله رأي واضح ومباشر حول عدم الاعتراف بـ"إسرائيل"، ويبدو ذلك بوضوح من خلال عدم ذكر الاسم، إذ يكتفي بكلمة "جيران" للدلالة الجغرافية فقط. وبرأيه "اسم إسرائيل مُصطَنَع. وهذه منطقة لم يكن فيها حدود". ويدعو لارهوفن الناس إلى البحث عمّن وضع الحدود. ويتوجه إلى "الجيران" بالسؤال "أنتم مختارون لهذه الأرض؟ مَن اختاركم، ولماذا؟". وكذلك، يرفض البعد الديني للذريعة الإسرائيلية بامتلاك أرض فلسطين، معتبراً أنّ "الدين هو الوعي والضمير الذي يقول هل فعلت شيئاً خاطئاً؟ هل أستطيع العيش معه؟، فيما الكتب كُتبت قبل آلاف السنين، وأعيد كتابتها".
منوعات
منوعات
منوعات
منوعات