لبنان
سياسة

ميشيغان: صراع الرؤى حول القوة الأمريكية بين أوباما وترامب

النهار٣٠ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٣:٠٨ ص0 مشاهدة
ميشيغان: صراع الرؤى حول القوة الأمريكية بين أوباما وترامب

تنويه

هذا الخبر بعنوان "ميشيغان... والمسافة بين أميركتين" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣٠ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تتساءل المقالة عن معنى القوة العظيمة لدولة تتسع قدرتها على الحرب وتضيق قدرتها على الحماية، وعما إذا كانت أمريكا تصون إرث مؤسسيها بسلطانها أم بحدوده. وتطرح تساؤلات حول معنى المساواة حين يصبح الاسم موضع اتهام والعقيدة قرينة اشتباه.

في عطلة نهاية أسبوع واحدة، وفي ولاية ميشيغان، تجلت صورتان لأمريكا؛ ففي ديترويت، تحدث رئيس سابق عن قوة لا تحتاج دائماً لإطلاق الصواريخ، بينما تحدث رئيس حالي في بورت هورون عن خصوم يجب إخضاعهم وحلفاء يمكن الضغط عليهم، ومواطنين تصبح أسماؤهم وعقائدهم موضع ريبة. لم تكن المسافة بين المدينتين هي المهمة، بل المسافة بين تصورين للسلطة: أحدهما يرى الدبلوماسية امتداداً للقوة، والآخر يمنح المواجهة موقعاً مركزياً.

قبل الانتخابات النصفية، عاد باراك أوباما إلى ميشيغان لدعم الديمقراطيين، وجاء دونالد ترامب لحشد الجمهوريين. لكن الخطابين تجاوزا صناديق الاقتراع ليطرحا سؤالاً أعمق: كيف تمارس أمريكا قوتها؟ وماذا يبقى منها حين تتراجع الثقة بها؟

الأرقام تروي قصة؛ ففي عهد أوباما، ساهم قانون الرعاية الصحية في توسيع التأمين لنحو عشرين مليون أميركي، وانخفضت نسبة غير المؤمن عليهم من 16% عام 2010 إلى 8.6% عام 2016. أما اليوم، فيشير استطلاع صندوق الكومنولث إلى ارتفاع نسبة غير المؤمن عليهم بين البالغين في سن العمل من 8.9% عام 2024 إلى 11.2% عام 2026، مع تجنب نصفهم للعلاج بسبب التكلفة. يبقى السؤال: ماذا تعني عظمة الدولة لمواطن يخشى المرض أكثر من حمايتها؟

وفي ملف التشرد، انخفض العدد إلى نحو 550 ألفاً عام 2016، وتراجع تشرد المحاربين القدامى بنحو 47% منذ 2010. لم يبدأ نهج "الإسكان أولاً" مع أوباما، ولم تنتهِ الأزمة في عهده، لكن الأمن لا يُقاس بما تحرسه الجيوش خارج الحدود وحده، بل بما يحمي الإنسان داخلها.

في ميشيغان، ظهر اختبار آخر للمواطنة؛ فبينما دافع أوباما عن حق عبدول السيد، الأميركي المسلم، في تمثيل ولايته، ربطه ترامب بالإرهاب والإخوان المسلمين دون دليل. وبينما يستحضر الأول تجربته مع التشكيك في هويته، يستدعي الثاني هجمات سبتمبر في مواجهة مرشح وُلد على الأرض الأميركية. يتكرر السؤال: أي معنى للمساواة حين يصبح الاسم موضع اتهام والعقيدة قرينة اشتباه؟

لم تتوقف اللغة عند الداخل؛ سخر ترامب من اسم "محمد" ووصف ليبيا واليمن والصومال وهايتي بأوصاف مهينة، مما دفع ليبيا للمطالبة باعتذار رسمي. والمفارقة أن واشنطن تحتاج إلى تعاون دول وشعوب تجعلها أحياناً مادة للتعبئة الانتخابية.

أما الحلفاء، فتروي كندا حكاية أخرى. سخر أوباما من اعتبار الجار الشمالي عدواً تجارياً، بينما أظهرت استطلاعات تراجع ثقة الكنديين بالولايات المتحدة من 83% عام 2022 إلى 35% عام 2026. وفي العام نفسه، فتحت أوتاوا حصة من سوق سياراتها الكهربائية للصين بتعرفة 6.1%، بعد فرض رسوم إضافية بلغت 100%. هذا لا يعني انتقال كندا للمعسكر الصيني، لكنه يكشف اتساع خيارات الحليف حين تضيق مساحة الثقة.

هنا مفارقة القوة الأميركية: تضغط واشنطن على شركائها، فيما تبحث عن احتواء الصين وموازنة روسيا. فهل تتحول سياسات الضغط إلى فرصة استراتيجية للمنافسين؟

في إيران، استعاد أوباما اتفاق 2015 قائلاً إنه لم يحتج لإطلاق صاروخ واحد. أما حرب ترامب، فقد أعادت للواجهة كلفة العمليات العسكرية وأمن الحلفاء ومضيق هرمز. ومع ذلك، لم تكن دبلوماسية أوباما بلا إخفاقات؛ فسوريا وليبيا شاهدتان على حدود قراراته، والربيع العربي أصبح خريفاً بفضل سياسته.

ليست المسألة سلاماً مطلقاً في مواجهة حرب مطلقة، بل سؤال النتائج: ماذا حققت القوة؟ وماذا كلّفت؟ حتى إعادة تسمية وزارة الدفاع إلى "وزارة الحرب" تحمل دلالة على كيفية وصف السلطة لوظيفتها.

وصف أوباما عهد ترامب بالفوضى والقسوة والفساد وعدم الكفاءة. وصف سياسي قابل للمساءلة، لكن الأرقام والوقائع تضع أمام الأميركيين أسئلة لا تمحوها الشعارات. في الثالث من تشرين الثاني/ نوفمبر، لن يكون الاقتراع مجرد تنازع على مقاعد الكونغرس، بل محطة في صراع أعمق على هوية الجمهورية التي صاغ آباؤها المؤسسون دستوراً لتقييد سلطتها عند الحاجة، لا لإطلاق يدها بلا حساب؛ جمهورية جعلت من الحرية والمساواة وعوداً تأسيسية.

بين أميركا التي تُداوي مواطنها وأميركا التي تخشى فيها بعض الفئات أن تُدان بأسمائها، وبين دولة تطمئن حلفاءها وأخرى تدفعهم للبحث عن ضمانات بديلة، يتجاوز السؤال شخص أوباما وترامب. إنه سؤال الجمهورية عن نفسها: هل تبقى القوة عظيمة حين تتسع قدرتها على الحرب، وتضيق قدرتها على الحماية؟ وهل تصون أميركا إرث مؤسسيها بما تملكه من سلطان، أم بما تضعه لذلك السلطان من حدود؟

شارك الخبر: