تنويه
هذا الخبر بعنوان "نجمة تحرس الوجود والغياب: إلى إسكندر حبش بعد عام" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣٠ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
قبل عامٍ مضى، رحل إسكندر حبش، تاركاً فراغاً عميقاً كأنه ورقة خريفٍ تذوي على أرضٍ تعصف بها الرياح. رحيله لم يكن نهاية، بل بداية لحضورٍ يتجاوز الزمان والمكان، فإسكندر، كما لو أنه يعيش بين عالمين، عالمٌ يرحل وآخرٌ يأتي. في غيابٍ يحفر عميقاً في أيامي، أستحضر إسكندر وأعيشه. لم يكن مجرد زوج، بل كان رفيقي و"حبيبي"، كما ينعت المحبون أحباءهم. ثلاثمئة وستون يوماً مرت، ولم تغب عن الذاكرة لحظة رحيله الأخيرة. أنفاسٌ تصعد بهدوء، ورجلٌ ينتظر امرأته ليحتضن رحيله. أمسكت بيده، فانهارت أمامي كل الجدران التي بنيتها على مدار عامين من مرضٍ أسماه "السيد س".
لم يكن إسكندر حبش مجرد زوجٍ وحبيب، بل كان معلماً فنون الحياة، بوجعها وفرحها وتقلباتها. كلُّها دروسٌ تعلمتها منه. في جوهره، كان إسكندر، ذو الخمسة والستين عاماً، يختزل طفولةً لا تتجاوز العشر سنوات، بنزقٍ فريد، ولهوٍ ولعبٍ وجنون، وكأسٍ تترع بحب الحياة. كان إسكندر ذاكرة المدينة بكل ما فيها من حروبٍ وذكرياتٍ وانهزاماتٍ وخسائر. ظلّ كما عرفه الجميع: موقفٌ واحدٌ من كل ما يراه "قضية".
كتب إسكندر في إحدى يومياته إلى أقاصي الموت: "حين ولدنا كنّا أطفال أمهاتنا، الآن ونحن على مشارف الغياب نصبح أولاد زوجاتنا اللواتي يهتمن بنا". اليوم، أشعر بسعادةٍ غامرةٍ لو تمكنت من الانتقال من غرفةٍ إلى أخرى، من غرف جسدي التي تقفل خلفها الأبواب. ثمة غرفةٌ لا تزال مفتوحة أمامي: غرفة الطفولة. يا ليتني بقيت فيها ولم أغادرها. قد تلتبس الأزمنة عليّ في وقتٍ ما، أهو زمن إسكندر أم زمني معه؟ في العمق، أسئلةٌ بلا إجابةٍ أطرحها على رحيله وعليّ. الإجابات هي احتمال برقٍ أو رعدٍ أو مطر، لا احتمال لصيفٍ في الغياب. غيابٌ يحفر في وجهي وجسدي كقطرة ماءٍ تنسلُّ بخجلٍ من عيني.
تتكرر الأزمنة في غيابك، خيطٌ من صوتٍ يغزل أيامي، وزمنٌ جديدٌ أنسجه كل صباحٍ في عالمٍ آخر أنت فيه. تقول فيروز: "صباح ومسا شي ما بينتسى، أخدت الحب وتركت الأسى". في العمق، كل الأسى في قلبي على غيابك، لكن للحب ممراتٍ في قلبي تزهر حين أنتقل إلى عالمٍ آخر، عالمٌ أصنعه بنفسي ولنفسي، أنت فيه بالطبع. هناك أبقى حيث الموسيقى تنسج صباحاتٍ وليالٍ أنت فيها، لا تغادرها.
الوسوم:
أخبار ذات صلة
ثقافةوزير الثقافة غسان سلامة يتسلم كتاباً هاماً عن الرئيس السوري الراحل شكري القوتلي من حفيده عمر القوتلي
ثقافةمؤسسة دمشق تعلن تضامنها مع شاعرين عراقيين يتعرضان لحملة انتقادات وتهديدات
ثقافةاعتزال النجوم العرب: هل يتقدم الصوت على التاريخ أم التاريخ على الصوت؟
ثقافة
