البطاقة الذكية في سوريا: هل تعود طوابير المحروقات مجدداً؟


هذا الخبر بعنوان "البطاقة الذكية في سوريا: هل تعود طوابير المحروقات؟" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣٠ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مع الحديث عن إمكانية إعادة العمل بالبطاقة الذكية لتوزيع المحروقات في سوريا، يعود إلى الواجهة ملف سبق أن اختبره السوريون لسنوات، وارتبط بالنسبة إلى كثيرين بانتظار الرسائل النصية، والوقوف أمام محطات الوقود، ومحاولات معرفة موعد الحصول على المخصصات. وتأتي هذه العودة المحتملة في وقت لا تزال فيه المحروقات تمثل واحدة من أكثر النفقات ضغطاً على الأسر، فيما تنعكس أسعارها وتوافرها بصورة مباشرة على تكاليف النقل والإنتاج وأسعار السلع والخدمات.
تجربة البطاقة
لا يستعيد السوريون تجربة البطاقة الذكية باعتبارها مجرد نظام إلكتروني لتنظيم توزيع المحروقات، وإنما من خلال تفاصيل يومية ارتبطت بها، من انتظار الرسالة التي تحدد موعد الحصول على المخصصات، إلى الوقوف أمام محطات الوقود ومحاولة تأمين البنزين أو المازوت في الوقت المناسب. يرى محمد الصابر، مهندس كهرباء، أن المشكلة لا تكمن في البطاقة بحد ذاتها، وإنما في قدرتها على ضمان وصول المحروقات إلى الأسر بصورة عادلة وكافية. ولا يرفض الفكرة من حيث المبدأ، لكنه يربط نجاحها بكمية المخصصات التي تحصل عليها الأسرة والسعر الذي ستدفعه مقابلها. ويقول محمد لـ"المدن": "أرى أن القرار قد يكون منصفاً وخطوة موفقة بشرط أن تكون المخصصات المحددة كافية لحاجات كل أسرة وكل بيت من دون أن يُظلم أحد، فالمهم بالنسبة للمواطن هو الحصول على حصته الأساسية بسعر مناسب ومقبول".
أما رؤى الأغا، مدرّسة لغة فرنسية، فتستعيد من تجربة البطاقة مشهد الانتظار نفسه، وهو ما جعلها تفضل بقاء آلية الحصول على المحروقات أكثر مرونة. وتقول رؤى لـ"المدن": "لا أؤيد العودة إلى نظام البطاقة الذكية إطلاقاً، وأفضّل أن تبقى الأمور كما هي. فالمرونة في الحصول على المستلزمات مباشرة أسهل بكثير، ولا نريد العودة إلى آليات وسياسات تذكّرنا بالنظام القديم، حتى لو تطلب الأمر أن نصبر ونتعب قليلاً".
ويتعامل هاشم المصطفى مع المسألة من زاوية مختلفة، إذ يعتمد على سيارته في تأمين دخله، ما يجعل حاجته إلى الوقود متغيرة بحسب ساعات العمل والمسافات التي يقطعها. لذلك يخشى ألا تتناسب الكميات المحددة مع طبيعة عمله واحاجاته اليومية. ويقول هاشم: "هذا القرار سيزيد من الأعباء المالية والصعوبات العملية، خصوصاً على من يعتمدون على سياراتهم للترزق، فالتقيد بكميات محددة لا يراعي تذبذب الحاجات اليومية، كما أن أي تقييد للمحروقات سينعكس فوراً على ارتفاع أجور النقل وأسعار البضائع والسلع الأساسية".
لم تكن البطاقة الذكية مجرد وسيلة لتحديد المخصصات، بل أصبحت خلال السنوات الماضية جزءاً من الطريقة التي يحصل من خلالها المواطنون على عدد من المواد المدعومة، وفي مقدمتها المحروقات. وكانت عملية توزيع المحروقات تعتمد على تسجيل الأسرة أو المركبة ضمن النظام، ثم تخصيص كميات محددة للمستفيدين، مع استخدام الرسائل النصية لإبلاغهم بموعد الحصول على المخصصات. وبذلك أصبح الهاتف والرسالة والطابور أمام محطة الوقود أجزاء من رحلة الحصول على المحروقات بالنسبة إلى كثير من المواطنين. وتوسعت المنظومة لاحقاً لتشمل مواد أخرى، فيما بقيت المشكلة الأساسية مرتبطة بتوافر المادة نفسها. فحتى وجود نظام إلكتروني ينظم المخصصات لم يكن كافياً عندما تكون الكميات المتاحة أقل من الطلب، أو عندما يواجه المواطن صعوبة في الحصول على مخصصاته في الوقت الذي يحتاجها فيه.
أزمة المازوت في حلب واختبار الحلول الحكومية
في حلب، تتجلى صعوبة تأمين المحروقات في أزمة متجددة من شح مادة المازوت، انعكست على حركة النقل العام وأجبرت أعداداً من السرافيس على التوقف عن العمل، ما زاد معاناة المواطنين والطلاب والموظفين في تنقلاتهم اليومية. وفي محاولة لتوفير بدائل تتناسب مع طبيعة الاستخدامات المختلفة، طرحت الحكومة نوعاً ثانياً من المازوت في الأسواق بسعر 150 ليرة لليتر، إلى جانب أنواع أخرى تختلف أسعارها ومواصفاتها بحسب الاستخدام. ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى ضمان استقرار الإمدادات وتوفير المادة في محطات الوقود، ولا سيما في المناطق التي تشهد نقصاً يؤثر مباشرة على حركة النقل والأنشطة الاقتصادية.
الشركة التي أدارت منظومة البطاقة
كانت شركة "تكامل" الجهة التي تولت إدارة وتشغيل المنظومة الإلكترونية المستخدمة في توزيع المحروقات والمواد المدعومة. وبحسب تقرير نقابة عمال النفط في دمشق، كان توزيع البطاقات يتم بموجب عقد مع شركة "تكامل للتجارة" يمتد عشر سنوات اعتباراً من نيسان 2016. وخلال السنوات التي سبقت التغييرات السياسية الأخيرة في سوريا، ارتبطت ملكية الشركة بأسماء مقربة من عائلة الأسد، إذ كان مهند الدباغ يشغل رئاسة مجلس الإدارة ويمتلك حصة تبلغ 30%، فيما أشارت معلومات منشورة آنذاك إلى امتلاك فراس الأخرس، شقيق أسماء الأسد، الحصة الأكبر في الشركة. وبحسب تقرير نقابة عمال النفط في دمشق، بلغ مجموع البطاقات الممنوحة حتى نهاية العام 2022 نحو 5 ملايين و725 ألفاً و827 بطاقة. وتوزعت هذه البطاقات بين 4 ملايين و207 آلاف و265 بطاقة عائلية، ومليون و518 ألفاً و562 بطاقة للآليات، وفق التقرير نفسه. ولا يعني عدد البطاقات بالضرورة أن العدد نفسه يمثل عدد المستفيدين، إذ يمكن للبطاقة العائلية أن تشمل أكثر من فرد، فيما ترتبط بطاقات الآليات بالمركبات المسجلة ضمن النظام.
المشكلة أكبر من البطاقة الذكية
يرى الخبير الاقتصادي محمد الحسيني أن العودة إلى البطاقة الذكية لا تمثل، بحد ذاتها، حلاً لأزمة الطاقة في سوريا، معتبراً أن النقاش يجب ألا يتوقف عند كيفية توزيع الكميات المتاحة، بل أن ينتقل إلى كيفية زيادة المعروض وتنويع مصادر الطاقة وإعادة هيكلة القطاع. ويقول الحسيني لـ"المدن" إن "العودة إلى البطاقة الذكية ليست هي الحل، ببساطة لأننا في سوريا جربنا هذه الآلية سابقاً، والتجربة لم تنجح". ويضيف أن تعريف مشكلة الطاقة باعتبارها مجرد مشكلة توزيع للمشتقات النفطية يقود إلى البحث عن أدوات لتنظيم الكميات المتاحة، بينما المشكلة، من وجهة نظره، أكبر من ذلك. ويشير إلى أن سوريا تحتاج إلى إعادة هندسة وهيكلة قطاع الطاقة بالكامل والانطلاق من رؤية متكاملة لمستقبل القطاع، بما في ذلك بناء مزيج طاقي متنوع يعطي مساحة أكبر للطاقة المتجددة، ولا سيما الطاقة الشمسية، إلى جانب إعادة النظر في إنتاج الكهرباء وتوزيعها. ويوضح الحسيني أن المطلوب هو الانتقال من "إدارة الندرة وتوزيع الكميات المتاحة" إلى بناء سوق قادرة على زيادة المعروض وتوفير مصادر متعددة للطاقة وخلق بدائل ومنافسة. وفي هذا السياق، يدعو إلى إعادة النظر في دور الدولة داخل قطاع الطاقة، بحيث تركز وزارة الطاقة على وضع السياسات وتنظيم السوق ووضع القواعد الناظمة، بدلاً من أن تجمع في الوقت نفسه بين دور المنظم واللاعب التجاري والمنافس. كما يشير إلى أهمية فتح المجال أمام القطاع الخاص للمشاركة في استيراد مصادر الطاقة وتأمينها وتوزيعها ، والاستفادة من مصادر الإمداد الممكنة، ومنها النفط العراقي، إلى جانب التوسع في مشاريع الطاقة الشمسية ومصادر الطاقة المتجددة. ولا يضع الحسيني البطاقة الذكية في قلب الحل، بل يرى أن معالجة أزمة الطاقة تبدأ من إعادة النظر في بنية القطاع نفسه، بما يشمل مصادر الإمداد، ودور الدولة والقطاع الخاص، ومستقبل الطاقة المتجددة، وسبل تقليل الاعتماد على المشتقات النفطية. وبينما ينتظر المواطن معرفة ما إذا كانت البطاقة الذكية ستعود فعلاً وكيف ستُطبق، يبقى السؤال الأوسع مرتبطاً بما هو أبعد من البطاقة نفسها: هل ستكون السياسة الجديدة لإدارة المحروقات قائمة على توزيع الكميات المتاحة، أم ستتجه بالتوازي إلى زيادة المعروض وتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود التقليدي؟
اقتصاد
عاجل
اقتصاد
اقتصاد