لبنان
منوعات

بيروت بين البؤس واليأس: رحلة في واقع مدينة متأرجحة

المدن٣٠ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٠:٤٤ م0 مشاهدة
بيروت بين البؤس واليأس: رحلة في واقع مدينة متأرجحة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "أيام في بيروت البائسة واليائسة" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣٠ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لا يُقصد بالعنوان التلاعب بالبلاغة التقليدية، فكلمتا "بائسة" و"يائسة" ليستا مجرد مرادفات أو استكمالات لبعضهما البعض. يمكن القول إن بيروت اليائسة ليست بالضرورة بيروت البائسة، وإن كانتا تتقاطعان بلا شك، وإن لم تتطابقا. في كثير من الأحيان، يكون الأكثر يأساً في بيروت وغيرها من المدن أقل بؤساً. ساحة ساسين في الأشرفية شهدت تغيراً ملحوظاً؛ قبل اثني عشر عاماً، كانت تضم مقهيين يعجّان بالشباب، غالبيتهم من سكان المنطقة. يخبرني الأصدقاء أن الأشرفية قد فرغت من شبابها بسبب الهجرة الكثيفة، وهي هجرة تعكس اليأس من أحوال البلد الحالية والمستقبلية. سائقو التاكسي، كعادتهم، يسألون الركاب عن رأيهم في الأوضاع. وعندما يُسألون هم، يسهبون في وصف بؤس الحال، ثم يسألون بلهجة لا تخلو من جرح: "ألا نستحق أفضل من هذا؟" ربما يبدو السؤال جارحاً لأنه أقل من اليأس، لأنه ينطوي على احتمالٍ لم يتحقق واستحقاقٍ لم يُنل. سائق آخر، بسيارته التي تشبه وجهه المتهالك، عبّر عن غضبه من أزمة المصارف وجولات الحرب، وفي نهاية المشوار طلب "مساعدة" تفوق الأجرة، ربما على عكس زميله الذي يأمل بكبرياء قديم بأننا "نستحق الأفضل".

المباني القديمة تزداد عراقة، بينما تنهض مبانٍ حديثة لا توحي بالبهجة، فبالنسبة لعدد السكان، قد يكون البناء الجديد أقل مما هو متوقع نظرياً. الأبنية التجارية المعروفة نجت من التقدم في السن بفعل الاهتمام بها، لكن يبدو أن هذا الاهتمام باهظ الثمن، فالأسعار فيها تفوق نظيرتها في باريس. ومن المفارقات أن تجد بناءً من تصميم المعمارية الشهيرة زها حديد مخصصاً لمتجر لماركة عالمية تُصنف ضمن الطبقة الوسطى. الحياة مستمرة، وهذا هو الدرس المستخلص من أحاديث اللبنانيين عن أحوال بلدهم. رغم أن البؤس ليس مشتركاً، وتبريرات اليأس تختلف، إلا أن السمة الغالبة هي اليأس من لبنان ككل. هناك نقلة واضحة في المزاج العام؛ قبل عقد من الزمن، كان هناك أمل في قدرة البلد على العيش وسط الحروب، أما الآن، فالحديث يدور عن بلد منهك من حروب لا أمل في الخلاص منها. فكرة "الوطن" أصبحت مثار سخرية، ولم تعد مدعاة للأسى. ما يميز هذا اليأس هو طابعه اللبناني، حيث لا يُعطى الاهتمام الكافي لدواعي اليأس المحيطة بلبنان. في الماضي، أتقن لبنان العيش في خضم الحروب لأنه لم يكن متروكاً وحده، على عكس ما قد يكون عليه الحال الآن. هذا قد يكون سبباً إضافياً لليأس في لبنان والمنطقة التي لن تكون أفضل حالاً كما يتوهم البعض. قد تنقسم المنطقة قريباً بين دول محتاجة للمساعدة وأخرى عاجزة عن تقديمها، وكذلك دول الغرب التي لها اهتمام تقليدي بلبنان والمنطقة. هذا العامل الأخير يعزز أسباب اليأس ويبرر فداحته، خاصة عندما لا يكون اليأس ترفاً. في لبنان والبلدان المشابهة، سيكون من الصعب التعويل على حلول خارجية. لن يكون ممكناً الاعتماد على الخارج المنشغل بأزماته، وبهذا المعنى، لم يعد اليأس مطمئناً للغير، بل يصبح وصفة للانتحار لا للاستقالة من الفعل. قد يبدو نقد اليأس غير لبناني، فلبنان الذي كان مشكلة المنطقة منذ الحرب الأهلية، نُظر إليه سابقاً كنموذج للمستقبل. في سوريا، كان لبنان نموذج الحريات الذي يناقض حكم البعث، وكان ملاذاً لرأس المال الوطني والباحثين عن حرية الرأي والكتاب. اليأس اللبناني، بهذا المعنى، هو إعلان فشل نموذج الحريات، مما يبرر للعديد من دول الجوار السير في الاتجاه المعاكس، خاصة مع الاستقواء بما يُعتقد أنها نهاية الديمقراطية في العالم. بالطبع، لا يحتاج اللبنانيون إلى زائر يوضح لهم "مضار" اليأس، فمن حق أي شخص أن يتخلى عن أمل مرهق. يبتسم الزائر وهو يرى لافتة "أخت منقوشة"، بينما اعتاد عليها المقيم. يتساءل الزائر: كم بلداً عربياً يمكن فيه مشاهدة هذه الخفة والحرية والبساطة؟ أسئلة أخرى كثيرة تتبادر إلى الذهن، تبدأ باسترجاع سيرة لبنان الذي كان، مجازياً، أكبر حجماً وسكاناً. لبنان الذي قدم في الثقافة ما يفوق حجمه، وقدم في البنية الصانعة للثقافة ما يكفي له وللجوار. وقدم في الغناء أسماءً سنستغرب أنها خرجت من بلد صغير، وأن هذا البلد تفوق بها على بلدان توقفت عن إنتاج الجديد. قد تُستثنى مصر من هذه المقارنة بين دول شرق المتوسط وشمال أفريقيا. الحديث هنا ليس عن زمن لبناني جميل، بل عن الفضاء العام اللبناني الذي لا يزال يتفوق بالحريات الضرورية لكل بناء وصنعة، والضرورية أيضاً لما بعد اليأس. زار الكاتب لبنان أثناء معرض الكتاب بدعوة من دار رياض الريس للنشر والكتب.

شارك الخبر: