لبنان
سياسة

لبنان في دوامة فقدان الثقة: هل السلطة أم الدولة في عين العاصفة؟

المدن٣ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ١٠:٢٠ م0 مشاهدة
لبنان في دوامة فقدان الثقة: هل السلطة أم الدولة في عين العاصفة؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "انحدار في قيم الجمهورية: أزمة ثقة بالسلطة أم بالدولة؟" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

يشهد المجتمع اللبناني، بجميع فئاته، أزمة ثقة عميقة بالسلطة، بل تتجاوز ذلك إلى فقدان الثقة بالدولة وشرعيتها. لم يعد المجتمع السياسي قادرًا على التمييز بين السلطة والدولة، حيث تُنظر إلى السلطة كأداة تسلط تفرض قواعد مشوبة بعدم المشروعية، أو تعتريها الاستنسابية، أو تستغل الأجهزة الأمنية والقضاء لتحقيق مصالح خاصة أو مكاسب من المال العام.

أولاً: أزمة الثقة بالقضاء

يواجه مرفق العدالة هجومًا سياسيًا شرسًا، والتشكيك بالقضاء هو نبذ لدولة القانون. إن التعامل مع القضاء كأداة للسلطة يُقحمه في التجاذبات السياسية، مما يضرب هيبة العدالة ويقسم القضاة إلى فئات، ويزعزع ثقة الرأي العام. فقدان هذه الثقة يعني حتمًا الانزلاق نحو دولة تُدار بلا قانون. من غير المقبول تناول أسماء القضاة للتبجيل أو التشهير، أو ممارسة الدعاية السياسية لمحكمة دون أخرى، أو الترويج لثقافة العدالة الاستثنائية التي تمس بمبدأ المساواة بين الضحايا. ومن الآفات التي تضرب الجسم القضائي التسريبات الإعلامية التي تخرق سرية التحقيق، أو التداول بمضمون الأحكام قبل صدورها. والأخطر هو المطالعات التي تتراشق بها الشاشات والمؤسسات التلفزيونية التي نصبت نفسها سلطة ادعاء، وتصدر قرارات الظن والاتهام كوسيلة ضغط. ومن الشائن أيضًا أن تصنف وسائل إعلامية نفسها كضابطة عدلية وتبدأ باستجواب سلطات قضائية ومدنية وعسكرية على الهواء للتشهير بها قبل صدور الأحكام. ومن مظاهر الانحطاط السياسي انتقاد أعضاء السلطة التشريعية لقرارات الادعاء، أو توصيف الأحكام بالسياسية، مما يشكل جرم تحقير المحكمة وعرقلة سير العدالة. هذا الخطاب الممنهج يهدد القضاء، ويؤدي إلى إرهاب الشهود، ويؤثر سلبًا على مسار التحقيق. تسييس القضاء يحول القضاة إلى أدوات سلطوية ويمس استقلاليتهم. التنازع السياسي بشأن التشكيلات القضائية يفرز القضاة سياسيًا، مما يعطي انطباعًا بأن للقضاة في المراكز الحساسة مرجعيات تأتمر بأمرها. ثمن هذا التصويب السياسي والمذهبي يدفعه القضاة المتجردون. عندئذٍ، يُفتح باب الاستنسابية على مصراعيه: ملاحقات وفقًا لبوصلة السلطة، أو كردود فعل على سياسة العهد. وإقرار قانون العفو العام الأخير هو إقرار بعجز القضاء عن القيام بواجبه وتشكيك بأحكامه.

ثانياً: ثقافة الزبائنية والاستقواء

ينظر الجمهور إلى الدولة كسلطة حاكمة تتوزعها المحميات والحاشيات. تطورت الزبائنية في لبنان حتى بلغت حد الاستزلام وتأليه الزعيم، حيث تكاثر الأزلام طمعًا في الاستقواء وتأمين امتيازات غير مشروعة. كرس هذا النهج ثقافة الاستقواء بالزعماء السياسيين أو بأجهزة الدولة العسكرية والإدارية والقضائية، وحفز آفة حمل السلاح الخفيف والمتوسط، وكأن الدولة عاجزة عن حماية مواطنيها. والأفظع أن هذا السلوك ينذر بثقافة الثأر واستيفاء الحق بالذات. ولكي يستقيم مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، يجب توسيع نطاق تطبيقه ليطال السلاح المتفلت في الشوارع، والمغطى برخص رسمية لصالح جماعات سياسية أو رجال أعمال. أما الطامة الكبرى فهي ثقافة الاستعلاء والاستكبار الحربية؛ إذ باتت صفة "مقاوم" تكفي ليتجول شبان بسلاح غير مرخص وبسيارات أو دراجات نارية من دون لوحات رسمية، أو لنقل السلاح والذخيرة دون أي مساءلة. لقد أصبح التذرع بمقاومة الاحتلال الإسرائيلي نافذة لتجاوز القانون، ونوعًا جديدًا من الحصانة. فأيّ ثقة تبقى بسلطة تقمع مطلقي النار ابتهاجًا في منطقة، وتحمي مطلقي النار الجماعي ابتهاجًا أو حزنًا في منطقة أخرى؟

ثالثاً: الفساد الطبقي وانحدار قيم الجمهورية

تطفو على سطح الحياة العامة في لبنان أنواع متعددة من الفساد، وأخطرها ما يمس ثقة الرأي العام بالسلطة وبالدولة. إن نهج "مراعاة القانون" بدلاً من تطبيقه هو من أخطر الظواهر التي تحوّر مفهوم النص التشريعي لاتخاذ قرارات غير مشروعة بصبغة قانونية شكليًا، وتأتي لمصلحة فئة معينة من المحظيين، مما يكرس الطبقية ويعمق الفجوة بين السلطة والشعب، وينتهك مبدأ المساواة. سلوكيات تراكمية عبر الزمن تستمر في ضرب ثقة الشعب بالطبقة الحاكمة، وأبرز مظاهرها: ثقافة الوراثة السياسية، ثقافة المغانم، ثقافة "الأعمال العائلية" (Family Business)، ثقافة الامتيازات والظروف الاستثنائية، الاعتماد على الممولين (Sponsors) والرعاة، السفر السياحي على حساب الخزينة، الوصولية وتدمير الجسور بعد العبور، وثقافة فتح صفحة جديدة من دون محاسبة وفقًا لمقولة "عفا الله عما سلف"، ناهيك عن التزلف والاستعراض والدعاية الإعلانية. قد تمر بعض هذه التجاوزات من دون أن تمس المفهوم المجرد للدولة، بل تصيب صورتها وتضرب قيمها. إلّا أنّ الأوضاع العصيبة التي يمر بها لبنان اقتصاديًا ومعيشيًا وأمنيًا تحتم احترام مشاعر الطبقات المسحوقة. وكما قال أمير الشعراء أحمد شوقي: "وَإِنَّمَا الأُمَمُ الأَخْلاقُ مَا بَقِيَتْ ... فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلاقُهُمْ ذَهَبُوا". في الخلاصة، إن السلوك العام لأغلبية المجتمع السياسي والنافذين يهدد مصداقية السلطة والدولة، لا سيما حين يتغذى بخطاب الكراهية والتخوين، أو المس بالأعراض والتشهير. وكل هذه المظاهر الشاذة والقائمة على التمييز هي نقيض للمواطنة، وقد أفقدت المواطن قدرته على التمييز بين تجاوزات السلطة وكيان الدولة، حتى وصل الأمر إلى الكفر بالدولة نفسها. إن قيم الجمهورية اللبنانية يقتضي صونها والدفاع عنها كي لا ننزلق إلى نظام الدويلات القائم على المحاصصة وتفتيت الهوية الوطنية. ويبقى الاعتماد على رأس الدولة لتوجيه المؤسسات والدفاع عنها وتحصينها، والرهان على مؤسسات الدولة وقياداتها والعناصر الشريفة في هذا الوطن لمواجهة التحديات.

شارك الخبر: