محاصيل مقاومة للملوحة: هل هي طوق النجاة للمزارعين العرب في مواجهة التربة المالحة؟


هذا الخبر بعنوان "الزراعة في التربة المالحة: هل تنقذ المحاصيل المقاومة للملوحة المزارعين العرب؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ تشرين الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتزايد التحديات التي تواجه الزراعة في التربة المالحة، حيث تتراكم الأملاح داخل التربة وتؤثر سلباً على إنتاجية المحاصيل. في ظل هذه الظروف، يجد المزارعون أنفسهم أمام خيارات صعبة مثل تغيير المحصول، أو تحسين أنظمة الصرف، أو معالجة التربة، أو حتى تقليص المساحات المزروعة. ومن هنا، يبرز الاهتمام بالمحاصيل المتحملة للملوحة كحل محتمل، لكن السؤال يبقى: هل يمكن لهذه المحاصيل أن تضمن للمزارعين ربحاً مستداماً؟
تفتح الزراعة في التربة المالحة آفاقاً للتكيف في البيئات الهامشية، لكنها لا تلغي القيود المفروضة على التربة والمياه. فمجرد اختيار نبات يتحمل الملوحة لا يعني أن المياه المالحة صالحة للري بشكل مطلق، أو أن الإنتاج سيظل مربحاً مع زيادة تركيز الأملاح. الهدف الواقعي هو الاستخدام الأمثل للموارد المحدودة ومنع تدهور الأراضي على المدى الطويل.
تُعد مشكلة الملوحة تحدياً عالمياً تتداخل أسبابه بين العوامل الطبيعية والممارسات البشرية. فقدّرت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) في تقريرها لعام 2024 أن حوالي 1.4 مليار هكتار من مساحة اليابسة، أي ما يقارب 10.7%، تتأثر بالأملاح. وتساهم ممارسات مثل الري بمياه مالحة وسوء الصرف في تفاقم تراكم الأملاح، بينما قد تزيد الظروف المناخية القاسية مثل الحرارة والجفاف من الضغط على الموارد وتحد من قدرة التربة على غسل الأملاح. وفي المناطق الساحلية، يتداخل خطر تسرب المياه المالحة مع إدارة المياه الجوفية. لذلك، لا يمكن تحميل التغير المناخي وحده مسؤولية تفاقم مشكلة الملوحة.
تقترح منظمة الأغذية والزراعة حزمة من الحلول تشمل تحسين الصرف، وإدارة التربة والمياه، واستخدام أصناف نباتية متحملة للملوحة. وتؤكد المنظمة على أن الملوحة والقلوية المرتبطة بالصوديوم ليستا مشكلة واحدة دائماً، وأن التدخل المناسب يتطلب تشخيصاً دقيقاً. قد تكون إضافة مواد محسّنة للتربة مفيدة في بعض الحالات وغير كافية في حالات أخرى، مما يجعل التحليل المخبري والإرشاد الزراعي خطوتين أساسيتين قبل شراء أي حلول.
تبرز الكينوا كأحد المحاصيل التي تحظى باهتمام المركز الدولي للزراعة الملحية (إكبا)، حيث تتميز بعض أنماطها بقدرتها على تحمل الملوحة. تهدف برامج المركز إلى تحديد أصناف ملائمة للبيئات الهامشية وتحسين إنتاجيتها وقيمتها الغذائية. ومع ذلك، فإن اختلاف الأصناف والظروف البيئية يعني أن النجاح التجريبي في موقع لا يضمن بالضرورة تكراره في مزرعة أخرى. في المغرب، واجه مشروع يدعمه المركز الدولي لبحوث التنمية تحديات في توسيع زراعة الكينوا، منها محدودية الوصول إلى أصناف ملائمة، وممارسات زراعية غير مناسبة، وضعف سلاسل القيمة والطلب.
تؤكد هذه التجارب أن التكيف الزراعي لا يقتصر على قدرة النبات على النمو، بل يمتد ليشمل تجهيز المنتج وتسويقه واستهلاكه. يحتاج المزارع إلى مقارنة العائد الصافي، وليس سعر البيع وحده. فقد يبدو محصول جديد مرتفع القيمة، ولكنه قد يتطلب شراء بذور أغلى أو تجهيزات إضافية، أو تكاليف نقل مرتفعة. في المقابل، قد يكون محصول أقل سعراً أكثر استقراراً إذا توفرت له سوق محلية، وخبرة إنتاج، ومواعيد دفع واضحة.
لتحويل التجربة الزراعية إلى استثمار ناجح، يبدأ الانتقال المسؤول بمساحة محدودة، مع قياس دقيق للإنتاج، واستهلاك المياه، وتكاليف العمالة، ومقارنة النتائج بمحصول قائم. يُفضل تكرار التقييم عبر مواسم متعددة لمراعاة تقلبات الطقس والأسعار. كما ينبغي قياس أثر الري على ملوحة التربة، وليس الاكتفاء بوزن الحصاد. من المفيد ربط برامج البذور والإرشاد باتفاقات شراء أو تعاونيات تسويق، مع تجنب الوعود بأرباح غير واقعية. يجب على المؤسسات البحثية توضيح حدود التجارب ونشر النتائج غير الناجحة أيضاً، لتجنب دفع المزارعين إلى تحمل مخاطر غير مدروسة. كما يجب حماية التنوع الزراعي عند تشجيع البدائل، فالاعتماد على محصول واحد قد يخلق تبعية لسوق ضيقة. الأفضل هو توسيع خيارات المزارع وتعزيز دوراته الزراعية وخبراته، بدلاً من دفعه إلى استبدال كامل لإنتاجه بناءً على نتائج محدودة أو أسعار مرتفعة مؤقتة.
عربياً، تكمن الفرصة في بناء زراعة تتلاءم مع المكان وتراعي كلفة المياه، بدلاً من استنساخ محاصيل رائجة بين البلدان. معيار النجاح النهائي هو بقاء المزرعة منتجة وقادرة على توفير دخل مستدام، مع الحفاظ على التربة والمياه الجوفية. المحصول المقاوم للملوحة هو أداة ضمن هذه المعادلة، وليس بديلاً عن الإدارة الرشيدة للأرض أو ضماناً مستقلاً للأمن الغذائي.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد