لبنان
سياسة

تصاعد الضغوط الدولية والمفاوضات المعلقة تزيد من مخاطر التصعيد في جنوب لبنان

المدن٧ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ١٠:٣٠ م0 مشاهدة
تصاعد الضغوط الدولية والمفاوضات المعلقة تزيد من مخاطر التصعيد في جنوب لبنان

تنويه

هذا الخبر بعنوان "ضغوط دولية ومفاوضات معلّقة... مخاطر التصعيد جنوباً تتفاقم" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تتزايد الضغوط الأمريكية على لبنان، لتشمل المؤسسات السياسية والعسكرية والتمثيل الدبلوماسي، في ظل اقتراب البلاد من استحقاق أمني حرج مع انتهاء مهمة قوات "اليونيفيل" واستمرار إسرائيل في فرض وقائع عسكرية جديدة. وأضاف قرار واشنطن بطرد القنصل اللبناني في ديترويت، إبراهيم شرارة، عنصر توتر جديد للعلاقات اللبنانية الأمريكية، بالتزامن مع تشديد دولي بشأن نزع سلاح حزب الله وتحذيرات دبلوماسية من أن أي تفاهم لا ينهي قدراته العسكرية قد لا يصمد أمام الحكومة الإسرائيلية المقبلة. وبين المفاوضات المجمدة والفراغ المحتمل في الجنوب وعجز الدولة عن ضمان عدم انخراط الحزب في مواجهة إقليمية جديدة، يواجه لبنان مرحلة قد تمتد تداعياتها إلى عمق الجنوب، مع تقديرات باحتمال اندلاع حرب ثالثة.

طرد القنصل: رسالة أمريكية تتجاوز التغريدة

لم يكن قرار وزارة الخارجية الأمريكية بإعلان القنصل العام اللبناني في ديترويت، إبراهيم خليل شرارة، "شخصًا غير مرغوب فيه" ومنحه 48 ساعة لمغادرة الولايات المتحدة، تطورًا دبلوماسيًا عاديًا. جاء القرار، الذي أُبلغت به السفارة اللبنانية في واشنطن رسميًا، على خلفية منشورات قديمة منسوبة لشرارة أشاد فيها بتفجير مقر مشاة البحرية الأمريكية في بيروت عام 1983. وأعاد موقع "واشنطن فري بيكون" نشر تغريدة منسوبة لشرارة تعود لعام 2021، تحدث فيها عن إنهاء "الاحتلال العسكري الأمريكي لبيروت بضربة واحدة"، مما أثار جدلًا سياسيًا وإعلاميًا في الولايات المتحدة، خاصة بعد تداول صورة جمعته بالسيناتور الديمقراطي المنتخب عن ميشيغان، عبدول السيّد. لكن مصادر مقربة من القنصل قدمت رواية مختلفة، مؤكدة أن الحساب الذي نُشرت عبره التغريدة قديم وتعرض للاختراق الإلكتروني قبل سنوات، وأن شرارة لا تربطه أي علاقة بالسيّد، وأن جلوسهما متجاورين خلال عشاء سنوي لإحدى المؤسسات العربية الأمريكية كان مصادفة. وصفت المصادر القرار الأمريكي بالمفاجئ، مشيرة إلى أنه لم يسبقه أي ملاحظات على أداء القنصل أو اعتراضات رسمية على عمله، ومستغربة صدوره بعد انتهاء دوام الخارجية الأمريكية. وأكدت أن شرارة سيعود إلى لبنان يوم الأحد. لكن التوقيت يطرح تساؤلات سياسية تتجاوز صحة التغريدة أو ملابسات الصورة. فإعادة فتح ملف منشورات قديمة، بعد اعتماد القنصل وممارسته مهامه، تتزامن مع تحولات سياسية داخل الولايات المتحدة، ومع تشديد واشنطن في مقاربتها للملف اللبناني. وإذا كان القرار يستند رسميًا إلى المنشورات المنسوبة إليه، فإن تداعياته السياسية تتصل أيضًا بحساسية العلاقة الأمريكية مع حزب الله، وبحدود التعبير السياسي المسموح به للممثلين الدبلوماسيين.

واشنطن تضغط: لا تسوية من دون نزع السلاح

في موازاة هذه الحادثة، تتقدم الضغوط الدولية على الدولة اللبنانية في ملف السلاح. وتحذر مصادر دبلوماسية من أن أي تفاهم لا يتضمن نزع سلاح حزب الله وتفكيك قدراته العسكرية لن يحظى، وفق تقديرها، بالتزام أي رئيس حكومة إسرائيلي مقبل، مما يبقي لبنان أمام خطر اندلاع جولة حرب ثالثة قد تتسع وصولًا إلى قضاء صيدا. وتكشف هذه التقديرات عن طبيعة المأزق اللبناني: فإسرائيل لا تكتفي بالمطالبة بضمانات تتعلق بعدم استخدام الجبهة الجنوبية، بل تربط الاستقرار المستقبلي بتغيير جذري في الوضع العسكري لحزب الله. وفي المقابل، لا تزال السلطة اللبنانية عاجزة عن تحويل قرارات حصر السلاح إلى واقع شامل، فيما يرفض الحزب التخلي عن قدراته قبل إنهاء الوجود الإسرائيلي. وهذا التناقض يجعل أي تفاوض محكومًا بشروط يصعب التوفيق بينها، خصوصًا مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وغياب ضمانات دولية تمنع استئناف الحرب. وفي هذا السياق، نقل "التلفزيون العربي" عن مصدر رسمي لبناني أن المفاوضات مع إسرائيل لم تتوقف نهائيًا، بل جمدت بسبب الانتخابات، وأن الرئيس جوزيف عون يعتبر الوقت مبكرًا لفتح باب التواصل العسكري المباشر مع إسرائيل. كما أفاد المصدر بأن عون يتواصل مع حزب الله عبر رئيس مجلس النواب نبيه بري، بهدف ضمان عدم انخراط الحزب في أي حرب جديدة. وتظهر هذه المعطيات أن الأولوية الرئاسية الراهنة لم تعد تحقيق اختراق تفاوضي فوري، بقدر ما تتمثل في محاولة منع انتقال أي مواجهة إقليمية إلى لبنان، في ظل محدودية قدرة الدولة على التحكم بقرار الحرب والسلم.

اليونيفيل: واشنطن ترفض التمديد وباريس تبحث البدائل

أما الاستحقاق الأكثر إلحاحًا، فيتمثل في مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان. فمع اقتراب 31 كانون الأول، الموعد المحدد لانتهاء عمليات "اليونيفيل"، تتسارع الاتصالات الدولية بحثًا عن صيغة تحول دون نشوء فراغ أمني في الجنوب. وتتمسك واشنطن برفض تمديد ولاية القوات الدولية، حتى لفترة إضافية قصيرة، معتبرة أنها فشلت في تحقيق أهدافها، ومستندة إلى استمرار بناء حزب الله بنية عسكرية بالقرب من مواقعها خلال السنوات الماضية. وفي المقابل، تتحرك فرنسا وعدد من الدول الأوروبية بحثًا عن ترتيبات بديلة، وسط تباين في المقاربات بشأن طبيعة الوجود الدولي المقبل وصلاحياته. وإذا كانت بعض الأوساط تتحدث عن رفض أمريكي إسرائيلي لانتشار قوات بديلة، فإن الموقف الأمريكي المعلن لا يستبعد أي مشاركة دولية من حيث المبدأ، لكنه يربط فعاليتها بتنفيذ الترتيبات الأمنية الجديدة. وفي هذا السياق، أكد السفير الفرنسي باتريك دوريل، من بكركي، استمرار المساعي الدولية لتجنب التصعيد، مشيرًا إلى البحث في مستقبل "اليونيفيل" والتنسيق مع الدول المعنية لمنع الفراغ الأمني. بدوره، عبر البطريرك الماروني بشارة الراعي عن خشيته من توسع المواجهات العسكرية وانعكاساتها على لبنان. وتكمن خطورة المرحلة في أن انتهاء العمليات لا يعني انسحاب القوات فورًا، إذ ينص القرار 2790 على انسحاب منظم خلال عام 2027، لكن تراجع دورها العملياتي سيطرح سؤالًا عن الجهة القادرة على مراقبة الحدود وتوثيق الخروقات، وعن قدرة الجيش اللبناني على ملء الفراغ في ظل استمرار الوجود الإسرائيلي.

الجنوب تحت النار: الاحتلال يفرض قواعده في الميدان

لا تنتظر إسرائيل انتهاء مهمة "اليونيفيل" لإعادة تشكيل الواقع الجنوبي. فقد شهدت بلدات القنطرة وزبقين وعيتا الجبل وبيت ياحون وكفرتبنيت وزوطر الشرقية سلسلة اعتداءات، شملت تفجيرات وقصفًا مدفعيًا وإلقاء مواد متفجرة بواسطة المسيرات، إلى جانب عمليات نسف في بني حيّان وتمشيط باتجاه الخيام. لكن الدلالة السياسية لهذه التحركات تتجاوز حجم القصف، إذ توحي بمحاولة تكريس حرية حركة عسكرية إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية، في وقت تتراجع فيه إمكانيات الرقابة الدولية. وتتجسد خطورة هذا الواقع في قضية ابن دير ميماس، نكد بشارة، البالغ 35 عامًا، الذي أوقفه الجيش الإسرائيلي فجر الجمعة عند حاجز طيار بين برج الملوك ودير ميماس، أثناء مروره بسيارته برفقة صديق. وبحسب المعلومات، طلب الجنود أوراق الرجلين وهاتفيهما، وفحصوا محتوياتهما، قبل اقتياد بشارة إلى مكان مجهول والسماح لصديقه بالمغادرة. ولم تُعرف أسباب احتجازه، فيما أكد أبناء بلدته أنه يعمل في زراعة أرضه ولا يتعاطى نشاطًا أمنيًا. وتواصلت عائلته مع الجيش اللبناني والسفير البابوي باولو بورجيا للمساعدة على إطلاق سراحه، خصوصًا أنه يعاني وضعًا صحيًا يستدعي تناول أدوية. والأخطر أن الحادثة ليست معزولة، إذ سبق أن أوقف الجنود الإسرائيليون عددًا من أبناء دير ميماس والقليعة وبرج الملوك عند الحاجز نفسه، وصادروا هواتفهم مؤقتًا، قبل إطلاق سراحهم. وهكذا، تتحول الحواجز والتوغلات ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم إلى أدوات ضغط يومية على السكان، بما يهدد استمرار وجودهم في بلداتهم، ويجعل الحديث عن السيادة والانسحاب مرتبطًا مباشرة بحق الأهالي في البقاء والعمل والتنقل.

الدولة أمام اختبار الحرب والسيادة

في مقابل هذه التطورات، شدد وزير الخارجية يوسف رجّي، من كندا، على أن لبنان يجب أن يكون بلدًا "لا سلاح فيه إلا سلاح الجيش، ولا قرار حرب وسلم إلا بيد المؤسسات الشرعية"، معتبرًا أنه لم يعد مقبولًا أن يكون لبنان ساحة لحروب لا يقررها اللبنانيون. ويتقاطع هذا الموقف مع محاولات بعبدا منع انخراط حزب الله في أي مواجهة جديدة، لكنه يصطدم باستمرار الخلاف الداخلي حول السلاح وبالمطالب الإسرائيلية التي تتجاوز وقف الأعمال العسكرية إلى تفكيك قدرات الحزب. وفي المحصلة، يجد لبنان نفسه أمام مسارات متزامنة: ضغط أمريكي يتسع سياسيًا ودبلوماسيًا، ومفاوضات مجمدة، واستحقاق دولي يهدد بإحداث فراغ في الجنوب، ووجود إسرائيلي يواصل فرض وقائعه على الأرض.

شارك الخبر: