لبنان
سياسة

السلام في لبنان: بين غياب العنف وبناء الدولة المستدامة

النهار٢٦ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٢:١٨ ص0 مشاهدة
السلام في لبنان: بين غياب العنف وبناء الدولة المستدامة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "السلام في لبنان، إمّا أن يكون إيجابياً، أو لا يكون" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في الأشهر الأخيرة، أصبح الحديث عن السلام متداولاً بكثرة، ليتحول إلى مفردة في خطابات السياسيين، وعنواناً للمؤتمرات، ومادة للتحليلات اليومية. ومع ذلك، يبدو أن الفهم الحقيقي لمعنى السلام وتداعياته على الدولة والاقتصاد والمجتمع والنظام السياسي والشعب اللبناني لا يزال غائباً، فلبنان لم يعرف السلام بمعناه الشامل يوماً.

تؤكد أدبيات دراسات السلام أن المجتمعات المنقسمة لا تبني سلاماً، والاقتصادات الضعيفة لا تتحمل تكلفته، والمؤسسات السياسية الهشة تعجز عن استدامته. يميز يوهان غالتونغ بين السلام السلبي، وهو مجرد غياب للعنف المباشر ووقف لإطلاق النار، والسلام الإيجابي، الذي يعني بناء الأسس الهيكلية في الدولة والمجتمع والاقتصاد لإنتاج سلام مستدام. للأسف، لم يعرف لبنان سوى السلام السلبي، فما نطلق عليه سلاماً منذ نهاية الحرب الأهلية اللبنانية ليس سوى هدنة ممتدة، تخللتها استمرار الوصايات والاحتلالات وحروب الآخرين على أرضه، وفساد بنيوي، وأزمات اقتصادية ومالية متلاحقة، وانسحاب الدولة من وظائفها.

يحدد معهد الاقتصاد والسلام ثمانية أعمدة للسلام الإيجابي: حكومة تؤدي وظائفها، بيئة أعمال سليمة، توزيع عادل للموارد، قبول حقوق الآخرين، علاقات سليمة بالجوار، تدفق حر للمعلومات، رأس مال بشري مرتفع، ومستويات متدنية من الفساد. هذه الأعمدة تمثل، حرفياً، قائمة بأعطال لبنان.

لقد قامت الصيغة اللبنانية على مبادئ تم تعديلها بفعل الحروب وإعادة صياغتها من قبل أمراء الحرب. تم توقيع نصوص أوقفت الاقتتال دون إزالة أسبابه، ورتبت السلطة دون بناء الدولة. ففي لبنان اليوم، توجد دولة على الورق بدستور ومؤسسات وتوزيع صلاحيات، لكن على أرض الواقع، النصوص حبر على ورق، والمؤسسات معطلة، والقرار مختطف خارج الشرعية.

المسألة الجوهرية تكمن في أن السلام يُبنى ويُصان من الداخل. من لا يصنع سلامه الداخلي لا يفاوض جيرانه من موقع قوة، بل من موقع ضعف. ولبنان الذي لا يتفق مع نفسه لن يتفق مع أحد، لأن أي تفاوض خارجي يفترض سلطة واحدة تملك قرار الحرب والسلم وتُلزم به الجميع. ترتيب البيت الداخلي هو شرط مسبق لأي سلام.

السلام الداخلي لا يعني إلغاء التنوع أو دمج الجماعات تحت هوية واحدة. فالتنوع في لبنان ليس عاراً بل معطى تأسيسي وغنى نوعي. السلام يعني الاتفاق على العيش معاً تحت دولة واحدة وقواعد واحدة، وفي مقدمتها القانون. حين يسري القانون على الجميع بالتساوي، يصبح الاختلاف السياسي والطائفي والإيديولوجي مسألة تُدار، لا تهديداً وجودياً يُدفع ثمنه دماً.

السلام الإيجابي، في جوهره، هو مشروع بناء دولة. ما ينقص لبنان ليس مزيداً من الكلام عن السلام، بل تعريفاً صحيحاً له. السلام ليس ملفاً في وزارة ولا بنداً في مفاوضات، بل هو صيغة هندسة داخلية للدولة والاقتصاد والمجتمع معاً، تُقاس بمؤشرات واضحة. لبنان اليوم أمام خيار حاسم: أن يبدأ ببناء سلامه الإيجابي وترتيب بيته، أو أن يواصل إدارة هدنته حتى الجولة المقبلة من الاقتتال. فالسلام في لبنان، إمّا أن يكون إيجابياً، أو لا يكون.

شارك الخبر: