لبنان
سياسة

التنافس التركي-الإسرائيلي في سوريا يضع واشنطن في موقف حرج

النهار٢٥ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٢:٢٨ ص0 مشاهدة
التنافس التركي-الإسرائيلي في سوريا يضع واشنطن في موقف حرج

تنويه

هذا الخبر بعنوان "تنافس تركيا وإسرائيل الذي يحرج واشنطن في سوريا" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في ظل سعي تركيا نحو سوريا قوية ومستقرة، ورغبة إسرائيل في رؤية سوريا مقيدة عسكرياً وآمنة وفق رؤيتها، تجد واشنطن نفسها في موقف معقد. لم تعد سوريا مجرد ساحة لتنافس إقليمي يمكن احتواؤه، بل أصبحت نقطة تقاطع لمصالح ثلاث قوى رئيسية مرتبطة بالولايات المتحدة: تركيا، وإسرائيل، وسوريا الجديدة. الضربة الإسرائيلية لقاعدة أبو الظهور الجوية في ريف إدلب تكشف أن التنافس حول مستقبل سوريا لم يعد يقتصر على النفوذ السياسي، بل امتد ليشمل شكل الجيش السوري، ومواقع انتشاره، ومن يملك حق المساهمة في إعادة بناء قدراته العسكرية.

جاءت الضربة الإسرائيلية في توقيت حساس، عقب زيارة وفد تركي للقاعدة لتقييم أعمال إعادة تأهيلها. أعلنت إسرائيل أن هدفها كان منع انتشار عسكري تركي محتمل في الموقع، معتبرة ذلك تهديداً لمعادلاتها الأمنية. في المقابل، رفضت أنقرة هذه الرواية بشدة، بينما وصفت واشنطن العملية بأنها تصعيد غير ضروري، وحاولت إنشاء آلية اتصال لمنع تحول الاحتكاك إلى مواجهة أوسع.

تكمن أهمية قاعدة أبو الظهور في ما يمكن أن تمثله مستقبلاً. فبينما تسعى سوريا لإعادة بناء مؤسساتها العسكرية والأمنية، وتستعد تركيا للمساهمة في تدريب الجيش السوري وإعادة تأهيل قدراته، تنظر إسرائيل إلى أي إعادة بناء عسكري سوري، خاصة بدعم تركي، من زاوية مختلفة. بالنسبة لأنقرة، فإن إعادة بناء الجيش السوري ليست مجرد مشروع دفاعي، بل جزء من تصور أوسع لسوريا مستقرة وقادرة على ضبط أراضيها وحدودها، مما يقلل من الفراغ الأمني على حدودها ويمنح دمشق قدرة أكبر على ضبط البلاد.

أما إسرائيل، فتتعامل مع المسألة من منظور أكثر حساسية. فقد اعتادت خلال السنوات الماضية على العمل في بيئة سورية عسكرية ضعيفة، تستطيع فيها ضرب أي بنية تعتبرها تهديداً دون خشية كبيرة من رد منظم. لكن إعادة بناء جيش سوري يمتلك قدرات حقيقية، وخصوصاً إذا حصل على دعم تركي، تعني أن البيئة الأمنية المحيطة بإسرائيل قد تبدأ بالتغير. يمكن فهم الضربة الإسرائيلية كرسالة استباقية، ليس إلى دمشق وحدها، بل إلى أنقرة أيضاً، مفادها أن إعادة بناء القدرات العسكرية السورية ليست شأناً سورياً داخلياً بالكامل إذا كانت ستقود إلى نشوء ترتيبات أمنية جديدة تراها إسرائيل مهددة لمصالحها.

المشكلة بالنسبة لواشنطن تكمن في أن هذا النوع من الرسائل الإسرائيلية يضعها أمام معادلة شديدة التعقيد. فالولايات المتحدة تريد الحفاظ على شراكتها الاستراتيجية مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه تحتاج إلى تركيا كعضو رئيسي في حلف شمال الأطلسي وفاعل لا يمكن تجاهله في سوريا، كما أنها تريد دعم استقرار سوريا الجديدة ومنع تحولها إلى ساحة صراع مفتوح بين القوى الإقليمية. حذر المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم براك، من أن العملية كادت أن تقود إلى مواجهة مع تركيا، ودفع باتجاه إنشاء آلية دائمة لتفادي الاحتكاك بين إسرائيل وتركيا وسوريا. هذا يعني أن واشنطن بدأت تتعامل مع المشكلة باعتبارها أزمة يمكن أن تهدد مصالحها في سوريا.

المفارقة أن سوريا، التي يفترض أن تكون صاحبة القرار الأول في مستقبل قواعدها وجيشها، تجد نفسها في قلب تنافس الآخرين على تحديد شكل أمنها. وهذا هو التحدي الأكبر أمام دمشق في المرحلة المقبلة: كيف تعيد بناء مؤسساتها العسكرية دون أن تتحول إلى ساحة صراع تركي إسرائيلي، أو ورقة في تفاهمات أميركية مع أحد الطرفين؟ من المرجح أن تحاول إسرائيل تثبيت معادلة جديدة تقوم على مراقبة أي تحرك عسكري سوري أو تركي، وربما التدخل المبكر قبل اكتمال أي بنية تراها مهددة. في المقابل، ستجد تركيا نفسها أمام اختبار حقيقي: هل تواصل دعم إعادة بناء القدرات العسكرية السورية، أم تعيد حساباتها لتجنب مواجهة مباشرة مع إسرائيل؟ أما واشنطن، فستكون أمام أصعب أجزاء المعادلة، إذ المطلوب منها ليس منع مواجهة تركية-إسرائيلية وحسب، بل إدارة تناقض المصالح بين حليفين داخل الساحة السورية نفسها، مع الحفاظ في الوقت ذاته على هامش حركة دمشق.

حادثة أبو الظهور قد لا تكون منفردة، فهي مؤشر على أن الصراع المقبل في سوريا لن يكون فقط على الأرض، بل على شكل النظام الأمني الذي سيحكمها. وكلما اقتربت دمشق من بناء جيش أكثر تماسكاً، وزاد الدور التركي في هذا المسار، ستجد إسرائيل نفسها أمام واقع جديد تحاول منعه قبل أن يترسخ. ويبقى القول: بينما تسعى تركيا إلى سوريا قوية ومستقرة، وتريد إسرائيل سوريا مقيدة عسكرياً وآمنة وفق تعريفها الخاص، تجد واشنطن نفسها في المنتصف، وهذا هو المثلث الذي قد يجعل إدارة الحالة السورية أكثر صعوبة من أي وقت مضى.

شارك الخبر: