لبنان
سياسة

الصندوق السيادي وحماة: إدارة مؤقتة أم استيلاء صامت على الملكيات؟

المدن٢٤ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٠:٤٢ م0 مشاهدة
الصندوق السيادي وحماة: إدارة مؤقتة أم استيلاء صامت على الملكيات؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الصندوق السيادي وحماة: إدارة مؤقتة أم نزع صامت للملكية؟" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في ريف حماة، تتكشف ملامح أزمة عقارية وحقوقية صامتة تقودها شركة "اكتفاء للاستثمار الزراعي"، الذراع الاستثماري للصندوق السيادي. بدأت القضية كإجراءات تنظيمية لحماية المحاصيل في الأراضي التي غاب عنها أصحابها عقب سيطرة قوى المعارضة وتهاوي النظام المخلوع في كانون الأول 2024. تحولت هذه الإجراءات تدريجياً إلى ملف يكتنفه الغموض القانوني والمخاوف من مساس بملكية المواطنين. وبينما ترفض إدارة الشركة والصندوق السيادي التجاوب المباشر، تتقاطع التوضيحات التي حصلت عليها "المدن" من مصادر مطلعة مع التحليلات القانونية وشهادات الفلاحين لتكشف عن تعقيدات تتجاوز مجرد إدارة المواسم الزراعية إلى إشكالات السجل العقاري وإعادة توزيع الأدوار الاستثمارية.

تأسست "اكتفاء" في الأصل عام 2019 تحت اسم "مؤسسة الزراعة" التابعة للمجلس الاقتصادي في "حكومة الإنقاذ"، قبل أن تتغير تسميتها عام 2022 وتتحول إلى واجهة مالية وإدارية استخدمت لإدارة أراضي كفريا والفوعة عقب "اتفاق المدن الأربع" وتوريد عائداتها إلى الصناديق المالية للهيئة، بعيداً عن ملاحقات العقوبات الدولية. عقب سقوط النظام المخلوع، اتسع نطاق عملها ليشمل معظم المحافظات، لتستحوذ في محافظة حماة وحدها على إدارة أكثر من 70 ألف دونم من الأراضي المشجرة وغير المشجرة.

مصدر مقرّب من الصندوق السيادي ومطلع على كواليس عمله، أوضح لـ"المدن" أن "الشركة تتبع قطاع الزراعة والثروة الحيوانية في الصندوق السيادي، وقد بدأت نشاطها الميداني في مناطق ريف حماة عقب التحرير مباشرة نتيجة الغياب الملحوظ لأصحاب الأراضي". وأضاف المصدر أن "غياب المالكين ترافق حينها مع حدوث تعديات ونزاعات حادة حول استثمار الأراضي، مما استدعى تدخل الشركة بهدف تنظيم إدارة هذه الأراضي بصورة مؤقتة، والحفاظ على المحاصيل والأشجار، والحد من النزاعات المسلحة والاجتماعية المرتبطة بها". وأكد أن "هذه الإجراءات لا تعني بأي شكل انتقال ملكية الأراضي للشركة، وأن دورها تنفيذي وينتهي فور استكمال المالك لإجراءات إثبات الملكية وتسلم أرضه".

بشأن عائدات المحاصيل الزراعية والاستثمارات التي جرت خلال فترة إدارة الشركة للأراضي وغياب أصحابها، ذكر المصدر أنه "لم يتم إقرار آلية محددة أو توضيح تفصيلي حتى الآن بشأن آلية توزيع هذه العائدات أو تسويتها المادية مع المالكين". أما الأراضي العائدة لأشخاص متهمين بارتكاب جرائم بحق الشعب السوري، فهي تخضع لآلية مختلفة تماماً؛ فبعد تشكيل لجنة مكافحة الكسب غير المشروع، أصبحت هذه الملفات حصراً من اختصاص اللجنة التي تتولى البت في قرارات المصادرة وإحالة الأصول إلى الجهات المعنية في الصندوق السيادي بناءً على أحكام ومذكرات قانونية.

يصطدم المنطق التنفيذي لـ"اكتفاء" بقرارات ومبادئ القانون والدستور. يشير المستشار القانوني المحامي فراس حاج يحيى، إلى أن التكييف القانوني لما يجري لا يخرج عن كونه "وضع يد مادي" قابل للطعن القضائي ويأخذ وصف التعدي أو الغصب، ما لم يستند إلى عقود مباشرة مع المالكين أو مرسوم استملاك مستوف لشروطه للمنفعة العامة. المادة 16 من الإعلان الدستوري تصون الملكية الخاصة ولا تجيز نزعها إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل. قانون الاستملاك رقم 20 لعام 1983 يحدد شروطاً صارمة، ولا يمنح المرسوم رقم 113 لعام 2025 التابع للصندوق السيادي أي صلاحية للاستيلاء على أموال الغائبين، فالغيبة مفهوم قانوني يتطلب ظروفاً قاهرة وحكماً قضائياً وتعيين وصي شرعي تثبته المحكمة، لا قيام شركة استثمارية بفرض وصايتها من تلقاء نفسها.

تتزايد هذه الشكوك الحقوقية مع طرح الشركة للمحاصيل والأراضي في مزادات علنية؛ إذ يرى القانونيون أن طرح المحصول في مزاد لا يصحح أصل وضع اليد إذا كان غير مشروع. وتتأرجح هذه الإجراءات بين محاولة فرض أمر واقع وإسناد أدوار التحقيق الأمني إلى شركة تجارية عبر اشتراط "إثبات عدم الارتباط بالنظام المخلوع" لاستعادة العقارات. يرى الخبراء القانونيون أن هذا قلب لقرينة البراءة وعبء الإثبات، ومطالبة للمواطن بإثبات واقعة سلبية فضفاضة؛ إذ يفترض قانوناً أن تقدم الأدلة على ارتكاب الجرائم أمام القضاء والنيابة العامة ولجنة الكسب غير المشروع، لا أن تطالب الشركة الفلاحين بشهادات براءة سياسية لاستعادة أراضيهم. التدقيق في الجرائم ليس من اختصاص الشركات التجارية بل أجهزة الضابطة العدلية والقضاء.

على الأرض، ترتسم صورة أكثر تعقيداً يتداخل فيها الارتياح الميداني الجزئي مع مخاوف الفقدان الدائم. يروي يحيى الظاهر، أحد أهالي ريف حماة، أن تدخل "اكتفاء" ساهم في حماية الأشجار والممتلكات من أعمال "التعفيش" والسرقة عقب التهجير في كانون الأول 2024. تمكنت العشرات من العائلات من استعادة أجزاء من عوائد أراضيها أو توقيع عقود إدارة مدنية لمواسم عامي 2025 و2026. لكنّ هذه التجارب الناجحة نسبياً تقابلها عقبات معقدة ترتبط بتعطيل العمل بالسجلات العقارية وتفشي الملكية العرفية أو غياب الورثة نتيجة وفاة المالكين الأصليين أو هجرتهم، مما يجعل إثبات الملكية أمراً شاقاً.

تتجسد المعضلة الأكبر في المناطق الموزعة بموجب قانون العلاقات الزراعية رقم 56 لعام 2005، كأراضي الإقطاعات القديمة (مثل أملاك عائلة العظم وعباسي)؛ حيث اشترى الفلاحون نحو 600 دونم بعقود بيع رضائية من ورثة ظافر العظم لم تُفرز طابوياً بعد. وأمام تداخل أحكام التقادم القانوني على العقارات غير المسجلة وفق المادتين 917 و918 من القانون المدني، يجد الأهالي أنفسهم بين مطرقة تعقيدات الإثبات وسندان التحولات الإدارية. ورغم مطالبة بعض المزارعين بإبقاء الأراضي غير المحسومة تحت وصاية جهات كـ"اكتفاء" أو الرابطة الفلاحية كحل مؤقت، تظل الأطر المتبعة محكومة بضرورة اللجوء إلى آليات قضاء مجلس الدولة والقضاء المدني للطعن في قرارات وضع اليد والمطالبة بأجر المثل وإعادة الثمار، لمنع تحول الإدارة المؤقتة إلى نزع ملكية صامت يغير الخارطة العقارية في المنطقة.

حاولت "المدن" التواصل مراراً مع شركة "اكتفاء" والصندوق السيادي للحصول على رد رسمي، إلا أن جميع المحاولات اصطدمت بأبواب مغلقة وجدار من الصمت التنظيمي. جاءت التفاصيل المتعلقة برواية الشركة والصندوق السيادي عبر شخص مقرب فضل عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية. وبين هذا الجدار الإداري المغلق والمطالبات القانونية والشعبية الشفافة، تظل قضية أراضي ريف حماة اختباراً حقيقياً لمدى الالتزام بدولة القانون وحماية الملكيات الخاصة بعيداً عن سياسات الأمر الواقع والوصاية الاستثمارية.

شارك الخبر: