لبنان
ثقافة

الحياة بالمشاركة لا بالانسحاب: كيف نتحرر من سجن الأدوار الزائفة؟

النهار٢٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٧:٢٢ م0 مشاهدة
الحياة بالمشاركة لا بالانسحاب: كيف نتحرر من سجن الأدوار الزائفة؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "أصبحوا سجناء أدوارهم" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

الحياة تُعاش بالمشاركة والتفاعل، لا بالانعزال والانسحاب. فمن يختار الانسحاب ينسى جوهر الحياة، ليصبح أسير الدور الذي رسمه له الآخرون، حتى يظنّ أنه هو ذاته، بينما لا يعدو كونه مجرد قناعٍ يرتديه. ومع مرور الوقت، تتلاشى الحدود بين الإنسان والقناع، فيفقد القدرة على التمييز بين الشخصية المفروضة عليه وبين ذاته الحقيقية. وبذلك، لا يعيش حياته الخاصة، بل حياةً كُتبت له، ليصبح وجوده امتداداً للدور، لا تعبيراً عن جوهره.

إن تعلق الإنسان بهذا الدور يشبه تعلق العاشق بوهمٍ نسجه قلبه. في البداية، يرفض رؤية الحقيقة، وإذا راوده شكٌ في معشوقه الوهمي أنكره، وإن أحاطت به البراهين، ازداد تمسكاً بوهمه. فالاِعتراف بالحقيقة لا يعني مجرد سقوط فكرة، بل انهيار الصورة التي بنى عليها حياته بأكملها. وهكذا، يفضل البقاء في سجن الوهم، لأن الخروج منه لا يتطلب مجرد تغيير رأي، بل الاِعتراف بأن عمراً كاملاً قد أُنفق في تمثيل دورٍ لم يكن يوماً هو.

وحين ينتهي العرض، ويغادر الجمهور المسرح، وتنطفئ الأضواء، ويسود الصمت الخشبة، يبقى هو وحده هناك، يكرر المشهد نفسه، ويتوهم أنه حر، بل ومحرر الأحرار، بينما يعجز عن تحرير نفسه. إنه لا يعيش حياته، بل يحيا موت الدور.

لكن الخلاص لا يبدأ بثورة على الآخرين، ولا بتخوينهم أو نعتهم بالعملاء، بل بثورة على الذات الموهومة. فحين ينهض الإنسان الحقيقي في داخله، ويواجه الإنسان الذي صنعته الأيديولوجيا والخوف والمصالح، تبدأ جدران السجن بالتصدع، وتسقط الأقنعة، وتنكسر القيود. عندئذٍ يخرج الإنسان من المسرح إلى الحياة، لا ليؤدي دوراً جديداً، بل ليكون نفسه. وهناك يبدأ الإبحار نحو الحرية، حيث لا سيد إلا الحقيقة، ولا هوية إلا إنسانية الإنسان.

يشبه المسرح الحياة، لكنه يختلف عنها في غايته. فالممثل يؤدي دوراً ليكشف الوهم، لا ليذوب فيه؛ وليساعد الإنسان على رؤية نفسه، لا على الهروب منها. فإذا انتهى العرض، خلع شخصيته، وعاد إلى حياته. ولعل الرحبانيين، ومعهم كوكبة من المبدعين، كانوا من أوائل الذين زرعوا في وجدان اللبنانيين صورة لبنان الرسالة، قبل أن تعلنها الكنيسة في إرشادها الرسولي. فقد كان الفن عندهم فعل تحرير للإنسان، لا وسيلة لتكريس الأوهام أو تزيين الأقنعة.

أما المأساة الحقيقية، فتبدأ حين يعجز الإنسان عن خلع الدور الذي ارتداه، فيظل أسيره حتى ينسى وجهه الحقيقي. عندها لا يعود المسرح فناً، بل يصبح سجناً، ولا يعود الدور تمثيلاً، بل هوية زائفة. ومن المسرح إلى الوطن... إلى المسرح الأكبر والأوسع. هناك يقف الممثل الوحيد، لا ليؤدي دوراً، بل ليعلم الوطن معنى الحقيقة. يتكلم بصوت مجروح، وبكلمات مكسورة، وبجناح نتفت اللوعة ريشه، وأثقلته الحسرة، وهو يحدق في وجوه الشهداء والضحايا، وفي وطن ما زال ينتظر ولادته. ويرتفع السؤال من بين الركام، لا انتظاراً لجواب، بل صرخة في وجه العبث: ما أرخصك أيها الموت في لبنان! كم من إنسان دفع حياته ثمناً لأن آخرين أصروا على البقاء سجناء أدوارهم، وكم تأخر ميلاد الوطن لأن الحقيقة ظلت خلف الستار.

لكن الذين استشهدوا بصدق في سبيل الوطن لم يكن موتهم هباءً، بل صار حياة لنا، وأمانة في أعناقنا، وبذاراً لمستقبل يستحقه لبنان. فالخيانة الحقيقية للشهداء ليست في نكران فضل استشهادهم، بل في أن يبقى الأحياء أسرى أوهامهم وأدوارهم، فيؤخرون قيام الوطن الذي ارتقوا من أجله. لن يخرج الوطن من مأساته ما لم يخرج الإنسان أولاً من سجنه: سجن الدور، وسجن الوهمولوجيا، وسجن الأيديولوجيا. فعندما ينتصر الإنسان الحقيقي على الإنسان الموهوم، لا يسقط قناع فرد واحد، بل يبدأ انهيار مسرح كامل بُني على الوهم، ويولد وطن لا يحتاج إلى ممثلين، بل إلى بشر أحرار؛ لا يرتدون الأقنعة، ولا يؤدون أدواراً، بل يعيشون الحقيقة، ويحرسونها، ويصنعون وطناً يليق بالشهداء، وبالإنسان، وبلبنان.

شارك الخبر: