لعنة الأيديولوجيا: كيف تُحَوِّلُ الأفكارُ المتطرفةُ أفرادَ المجتمع إلى عبيد؟


هذا الخبر بعنوان "لَعْنَةُ الأيديولوجيا" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتعدد أشكال لعنة الأيديولوجيا وتتخذ مظاهر مختلفة، لكنها تشترك في كلمة مرور واحدة: "بالروح بالدم". وعند سماعها، يجب استشعار الخطر والتخلف. فالإنسان قد يصاب بأمراض كثيرة يتعافى منها، لكن هناك أمراضاً، خاصة في البيئة العربية الإسلامية، أشد خطورة على الفرد والمجتمع، يمكن تلخيصها في "لعنة الأيديولوجيا".
هذه اللعنة تتحور وتتجسد منذ مئات السنين، وتلعب دوراً كبيراً في حصد الأرواح، حيث يفدي البعض نفسه بسعادة، بينما يحصد الآخرون ما يرونه حلالاً أو حراماً، إيماناً أو كفراً، صداقة أو عداوة، وفقاً لتفسيراتهم وقناعاتهم.
يولد البعض منا متأثراً بالهيمنة الفكرية الأبوية. فإذا كانت الأيديولوجيا متجذرة في المنزل (عنصرية، يمينية، يسارية، قومية، مذهبية، دينية متطرفة)، فإن قاعدة التكوين المبكر تؤسس قناعات يصعب الخروج منها إلا بجهد فكري مميز. كما أن القناعات القادمة من خارج المنزل تؤسس قواعد تكوين عامة يسهل تجاوزها مقارنة بقصص العلم في الصغر. يمكن لمدرس، أو تلميذ جذاب في الصف نعتبره قدوة، أو الفتى "البطل الشهم" في الحي، أن يزرع هذه القناعات.
تتمدد الأيديولوجيا بذكاء، مراعية الأعمار والإمكانات والشخصية. تبدأ بعنصر التميز لحصد الإعجاب، وتتغذى بالاستسلام المطرد، وتتسيد بالطاعة والقناعة. أساليبها كثيرة، تتضمن عناصر الشعور بالقوة، الزهو، الإيمان، الدور، الرسالة، الريادة، والطليعة. كل عنصر يتدرج في فترة المراهقة ليكتمل. نكبر في العمر وتكبر نظرة عدم الرضا تجاه الكيانات السياسية والمجتمعات. تضعنا الأيديولوجيا في مواجهة مستمرة مع الآخر، سواء كان دولة أو مكونات بشرية. بل تضعنا في مواجهة مع دائرتنا الصغرى، أهلنا، بحجة عدم امتلاكهم القدرة على استيعاب الدور المأمول منا، فنحن أصحاب رسالة لا تستقيم مع السلوك التقليدي الهادئ الباحث عن "أكل العيش" وتأمين الحاضر والمستقبل. نصفهم بالنمطيين في زمن تريد الأيديولوجيا منا أن نكسر النمطية ونكون رواداً وطليعيين.
المفارقة أن أحد أسباب الانغماس في الأيديولوجيا، وهو الشعور بالزهو الشخصي والأهمية، ينتهي تماماً دون إدراك عندما نصبح، حرفياً، "عبدة" الفكرة، سواء كانت سياسية، اجتماعية، أو دينية، ومن ثم "عبدة" الوسيط، سواء كان مفكراً، شيخاً، قائداً سياسياً، حزبياً، أو أمير جماعة. في النقاشات، تكتشف أن الرأي الخاص بالمرجعيات أصبح من البديهيات، وتشعر أن أحداً ما يدير أمور التابعين بريموت كنترول. بل تشعر أن أمواتاً، كانوا أشخاصاً عاديين متخصصين في علم ما أو مذهب سياسي وشرعي، يسيطرون من قبورهم على عقول البعض ويوجهون حركتهم. بالمنطق، يقال "الحي أبقى من الميت"، لكن في هذا النموذج "الميت أبقى من الحي".
وإن كان الهيكل العسكري في الجيوش يعتمد قاعدة "نفذ ثم اعترض"، فإن في حالة العبودية هذه، ينفذ المرء ولا يعترض. والأخطر أنه ينفذ وهو سعيد، بل يعتبر أنه تميز وتفوق عن غيره بوقوع القرعة عليه ليكون "المختار" بين أقرانه ليدخل التاريخ من باب تفجير انتحاري، أو خطف طائرة، أو ذبح شخص، أو احتجاز رهائن، أو حتى التعرض ببذاءة معلنة لمعتقدات الآخرين ومقدساتهم محدثاً فتنة لا تبقي ولا تذر. المهم أن يخالف فيُعرف، وأن يشعر بزهو يحمله من وجهة "عبوديته" إلى مقاعد التاريخ.
أفلت البعض من لعنة الأيديولوجيا قبل أن تحرقه وتحرق محيطه معه، وساعدت الثورة التقنية في تعبيد الدروب لهذا الإفلات، مشفوعة بصحوة تفكير عكس السير. أما الغالبية فأكملت الطريق بحماسة غير آبهة لأي شكل من أشكال التعارض مع الحق والمنطق. لم تعد الحقيقة هي الفارق الواضح بين الصح والغلط، بل في توجيه "الوسيط - الرمز" وتقبل المتلقي. وما عدا ذلك كذب وافتراء. تعدّدت أشكال لعنة الأيديولوجيا واتخذت لبوساً مختلفاً، لكن كلمة المرور أو "الباسوورد" واحدة: "بالروح بالدم". وعند سماعها، تحسس الخطر واستشعر التخلف.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة