فرصة تاريخية: بناء علاقة جديدة بين سوريا ولبنان بعد عقود من التوتر


هذا الخبر بعنوان "شعبان صديقان، دولتان مستقلتان" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تُعدّ العلاقة بين سوريا ولبنان على أعتاب مرحلة جديدة، حيث تلوح في الأفق فرصة تاريخية، ربما للمرة الأولى منذ تأسيس الدولتين، لتعزيز علاقة تخدم الشعبين وتحميهما وتؤمن لهما الاستقرار والازدهار، وتجعل من البلدين جسراً للتواصل مع أوروبا والعالم. تأتي هذه الفرصة في ظل جهود حثيثة تبذلها "جمعية الصداقة السورية اللبنانية"، التي تأسست حديثاً بهدف إصلاح العلاقة المعتلّة بين الشعبين، بما قد يفضي إلى تحقيق الاستقرار والازدهار لهما وعلى صعيد المنطقة.
تُمثل هذه الخطوات مصلحة مشتركة لجميع اللبنانيين والسوريين، ومسؤولية جماعية لكتابة صفحة جديدة في تاريخهما كشعبين صديقين في دولتين مستقلتين. وقد شهدت الفترة الأخيرة تطورات هامة، أبرزها زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت في 2 تموز/يوليو 2026، حاملاً دعوة رسمية من الحكومة السورية لزيارة دمشق من قبل الرئيس جوزاف عون. هذه الزيارة جاءت استكمالاً لخطوات أساسية بدأت بها الحكومتان، منها حلّ المجلس الأعلى اللبناني السوري في شباط/فبراير 2026، الذي ظلّ لمدة ثلاثين عاماً أداة للوصاية السابقة على لبنان. كما تم إبرام اتفاق لتبادل 300 سجين سوري، والتزمت العاصمتان بترسيم حدودهما البرية والبحرية ومراجعة الاتفاقات الموقعة زمن الاحتلال السوري للبنان، على أن تتوج هذه الجهود بقمة تجمع رئيسي البلدين.
مثّل سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 لحظة فارقة، لكن التحول نحو علاقة ثنائية جديدة لم يكن فورياً، بل يتم رسمه ببطء وحذر، خطوة بخطوة. فالحكومتان تتصرفان بحذر لأسباب وجيهة، منها التاريخ الثقيل الذي يربط البلدين، والذي يشمل ذاكرة الاحتلال السوري للبنان، ومسؤولية النظام السابق في الاغتيالات السياسية، أبرزها اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري. كما تبرز قضايا أخرى مثل ضلوع حزب الله في مقتل وتهجير آلاف السوريين، وملف اللاجئين السوريين في لبنان. هذه العقبات السياسية والتقنية تعيق إرادة البناء المشترك، بالإضافة إلى عوامل خارجية كالت تهديد الإسرائيلي المستمر والدور الإيراني المزعزع للاستقرار عبر وجود حزب الله المسلح في منطقة البقاع.
إن إعادة بناء العلاقات بين البلدين وشعبيهما لا تقتصر على الجهود والمراسيم الحكومية، بل تتطلب تفاعلاً مجتمعياً أوسع. فالإرادة السياسية المعلنة اليوم تفتح نافذة فريدة، لكنها تحتاج إلى دعم شعبي وسياسي لضمان استمراريتها. هشاشة المسار تكمن في إمكانية نقض ما توقعه حكومة من قبل حكومة لاحقة، أو تعطيل الجهود بسبب حادث حدودي بسيط. لا يزال الرأي العام في البلدين، باستثناء أصوات قليلة، يتأرجح بين الريبة واللامبالاة.
لضمان استدامة هذه العلاقة، يجب أن ترتكز على مصالح مشتركة على طرفي الحدود، وأن تستمد حيويتها من الإرث الثقافي والتاريخي المشترك، وأن تكتسب مناعتها من عمل صبور على الذاكرة والمصالحة. تسعى "جمعية الصداقة السورية اللبنانية" إلى تحقيق ذلك عبر تبادلات ثقافية وفنية وجامعية حية، لمواجهة الصور النمطية والمغالطات التاريخية التي شوهتها الأنظمة السياسية والأيديولوجيات المنحرفة. كما تهدف الجمعية إلى التصدي لحملات التضليل الإعلامي والتحريض التي تغزو الشاشات، والتي غالباً ما تحركها أجندات سياسية. ويتطلب ذلك نسج رواية جديدة عن العلاقة بين لبنان وسوريا، والعمل على الذاكرة الجمعية، حيث لا تزال الجراح مفتوحة لدى عائلات كثيرة تحتاج إلى مساحات للتعبير عن ألمها والمطالبة بالعدالة لفتح صفحة جديدة.
إن المهمة صعبة، وتتطلب تفكيك إرث نصف قرن من الدعاية التي رددت مقولة "شعب واحد في دولتين" لتبرير السيطرة على لبنان. هذه الدعاية خلّفت أضراراً طويلة الأمد، جعلت الشعبين يرتابان مما هو مشترك، رغم تقاسمهما لغة واحدة، ومطبخاً واحداً، وروح دعابة مشتركة. إنها فرصة ومسؤولية مشتركة لكتابة تاريخ جديد لشعبين صديقين في دولتين مستقلتين، يتوقان إلى الحرية والكرامة والحداثة.
الأعضاء المؤسسون لجمعية الصداقة السورية اللبنانية هم: ناجي أبو خليل (الرئيس – مستشار في الاستراتيجية والسياسات العامة)، إياد جابر (الأمين العام – مستشار في السياسات العامة ودبلوماسي فرنسي سابق)، وآسر خطاب (أمين الصندوق – كاتب وصحافي ورائد أعمال اجتماعي).
سياسة
سياسة
سياسة
اقتصاد